بؤس المنطق التكفيري

علي العبد الله

طباعة أضف تعليق جميع التعليقات

وضعتني الظروف، خلال فترة اعتقالي، في مواجهة عدد من المنتمين إلى السلفية الجهادية حيث تواجدنا في غرفتين منفردتين متقابلتين (4 سلفيين حشروا في غرفة منفردة 2.5 ـ 2م) وهذا ما سمح بحصول حوار متقطع وحاد. فقد تنبه هؤلاء إلى وجودي بجوارهم من خلال حديثي إلى الصديق رياض حمود الدرار الذي يحتل غرفة منفردة (2 ـ 2.5) مجاورة، حول القرآن الكريم فبادر احدهم إلى سؤالي إن كنت إسلامياً. وعندما أجبته "نوعاً ما". سألني إن كنت اخوانياً؟ وعندما أجبته بالنفي وأضفت أنا اعتبر العروبة والإسلام ثوابت في الهوية العربية والنظام الديمقراطي والحكم الصالح، قطع الحديث بالقول سنتحدث لاحقاً. ولم يأت هذا "اللاحقا". مرت فترة طويلة قبل أن أسمع صوت الشاب الذي حدثني ثانية حتى أتاح وصول وافد جديد، مُرحّل من المملكة المتحدة إلى غرفة منفردة مجاورة، سماع صوته ثانية. فبعد أن تحدثنا إلى الوافد الجديد وعلمنا منه أن والده من حركة الإخوان المسلمين ، قال له الشاب شيئاً عن "أصحاب" والده، يقصد حركة الإخوان المسلمين، قائلا: "إن أصحاب والدك بلغوا، بقبولهم الحوار مع السلطة وتبني الأساليب السلمية في العمل السياسي، حد الشرك". لان معيار الإيمان لديه هو الجهاد المباشر والقتال ضد الكفار والمشركين . ثم انبرى يحذر الوافد الجديد من التحدث إلينا أو المشاركة في الحوارات التي كانت تجري ليليا بين الذين يحتلون المنفردات المتجاورة (وليد البني وفواز تيلو وحبيب عيسى من معتقلي ما وصف بربيع دمشق والذين وضعوا في منفردات منذ سنوات، بعد الحكم الذي أصدرته ضدهم محكمة امن الدولة العليا التي تعمل بموجب حالة الطوارئ المفروضة منذ أكثر من أربعين عاماً) وأنا والصديق رياض حمود الدرار من المستجدين وذلك، بحسبه، على خلفية اعتبارنا مشركين. واستند في البرهنة على تحريم الحديث معنا إلى الآية الكريمة: "وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم" النساء الآية140ـ وردت بنفس الصيغة في الآية 68 من سورة الأنعام ـ دون أن يكمل الآية حيث تقول التتمة "حتى يخوضوا في حديث غيره".أي أن القرآن الكريم لا يدعو إلى المقاطعة أو اعتزال المجتمع كما تزعم الدعوات التكفيرية. وذهب في تأكيد وجهة نظره إلى اعتبار حالة النبي إبراهيم (عليه السلام) مع قومه التي أوردها القرآن الكريم دليلاً على ضرورة مقاطعة السلطة وأصحاب الرأي المخالف حيث جاء في الآية 4 من سورة الممتحنة: "قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" دون أن يأخذ بعين الاعتبار التباين الواضح والصارخ بين الحالتين: شرك قوم إبراهيم وإيمان أعضاء حركة إلاخوان المسلمين، وان خلاف إبراهيم مع والده وقومه كان حول وحدانية إلا له بينما الخلاف بين السلفية وحركة إلاخوان المسلمين سياسي وليس عقائدياً.
وعند إعلان بدء شهر رمضان الكريم هنأت أصدقاء وزملاء المنفردات المجاورة بحلول الشهر الكريم، وأحببت أن اهنىء السلفيين فتوجهت إليهم بالحديث فلم يردوا على تهنئتي وكأنهم غير موجودين. غير أن أميرهم (عمر) الذي استمع إلى حديثي مع صديقي رياض بعد السحور، وبشكل شبه يومي، حول آيات القرآن الكريم ودلالاتها، رأى أن يتحدث إلينا، إذ ربما اعتبرنا حالة قابلة للإصلاح، فخاطب رياض قائلاً: إني لم أتحدث إليكم من قبل لكن عندما سمعتكم تتدارسون القرآن الكريم وجدت انه من الضروري التحدث إليكم. وراح يحدثنا عن عقيدة التوحيد. وان النقطة الأساس الآن هي الإقرار بالألوهية الخالصة (لا إله إلا الله). تميّز السلفية بين نوعين من التوحيد :توحيد الألوهية الذي تعتبره التوحيد الصحيح وتوحيد الربوبية الذي تعتبره شركاً، واستشهد بالآيات الكريمة :"ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله"... "ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله..." العنكبوت 61و63 والآيات لقمان 25والزمر 38 والزخرف 9 و87 والتي يقر فيها المشركون بوجود الله وبخلقه للكون، ليصل إلى استنتاج أن حتى المشركين يسلمون بوجود الله وبخلقه للكون والبشر وبتدبير الكون، ما يجعل هذا التسليم غير كاف لصحة العقيدة ويستدعى تأكيده بعقيدة التوحيد الخالصة. ثم قال له أراك وقعت في الفخ بالتحدث إلى الأشخاص الموجودين في الغرف المجاورة والذين صنفهم كفارا على خلفية إيمانهم بالديمقراطية ورفضهم إقامة الحدود (قطع يد السارق ورجم الزاني) واستشهد بالآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم "ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون" المائدة 44. رد عليه رياض بالقول انك تخلط بين القضاء وميدان السياسة حيث يستخدم القرآن الكريم عند الحديث عن قضايا الأحوال الشخصية والاجتماعية والاختلاف حولها مفردة الحكم بينما يستخدم عند تناوله قضايا السياسة مفردة الأمر كما في قوله تعالى "وشاورهم في الأمر" الآية 159 آل عمران "وأمرهم شورى بينهم" الآية 38 الشورى. ومفردة "أولي الأمر" على الحكام.
صمت السلفي دون أن يعني ذلك انه قد قَبِل كلام رياض أو اقتنع به ما يعني أن الحوار المتقطع لم يسفر عن نتيجة . وقد أكد هذا الاستنتاج من رد فعله على أنباء عمليات السلفية الجهادية في العراق ضد القوات الأميركية والعراقية والمدنيين من الشيعة والأكراد حيث كان يدخل في حالة فرح عبر إطلاق أناشيد السلفية التي تحض على الجهاد والاستشهاد. وعندما اعترضنا على القتل الوحشي الذي لا يميز بين المحتل والمواطن، بين العسكري والمدني، واعترضنا على تكفير الشيعة وقتلهم على هذه الخلفية (السؤال من وليد البني) لم يستطع الدفاع عن هذه الممارسة الوحشية أو تقديم براهين شرعية لتكفيرهم، لكن دون أن يدين هذه الممارسة التي ربطها بسلوك القتلى السياسي: إنهم خونة. وإنهم ـ السلفيون ـ يناقشون كل حالة على حدة قبل القيام بأية عملية "استشهادية"، ولا يقتلون إلا الذي يثبت كفره أو شركه أو خيانته، وهذا يبرر قتلهم. وعندما اشرنا إلى القتلى من غير المستهدفين بالفتوى حل القضية باعتبارهم قتلى الصدفة وأطلق عليهم صفة شهداء.
يعكس الحوار السابق صورة ونمط الثقافة السائدة في أوساط السلفية، جهادية وغير جهادية، والتي تشرع للقتل والعنف لاعتبارات عقائدية أو سياسية على حد سواء. وهذا يستدعي جهدا ثقافيا كبيرا لإيضاح خطأ هذه الأفكار وخطورتها على الإسلام ذاته.

 كاتب سوري

مقالات تحت نفس الباب



أكثر المقالات مشاهدة خلال 30 يوما

في سيكولوجيا الأخلاق والحضارة عند فرويد - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 426
مشكلة الموت في الثقافة العربية - حازم خيري - عدد القراءات 255
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد القراءات 204
سلطة رجال الدين - فاخر السلطان - عدد القراءات 191
بيان في رحيل المفكر الدكتور أحمد البغدادي - مركز "الحوار" للثقافة (تنوير) - عدد القراءات 177
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد القراءات 169
مات صاحب الضمير والنفس الأبية - أحمد الصراف - عدد القراءات 161
الأسس الرمزية والأسطورية للعنف الديني المعاصر - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 136
جنون العباقرة - هاشم صالح - عدد القراءات 130
عكاز البغدادي - ابتهال عبدالعزيز الخطيب - عدد القراءات 126


أكثر المقالات تعليقا خلال 30 يوما

هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد التعليقات 1
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد التعليقات 1



  
الإسم: GodFather
البريد الإلكتروني:
التعليق:
((السلفون هم الذين رفعوا الامة))

والدليل التكفير والفكر الاقصائي الرافض لأي دين آخر او فكر آخر أو مذهب آخر والدليل أيضا تطور الامة الاسلامية وصعودها الى السمو والعلا.

تحياتي للكاتب علي العبدالله ونشكرك على هذه المقالة

الإسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
السلفيون هم الذين رفعوا رأس الأمة

  

تعليقات القراء

الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - لا للكذب - لا أصدق ما تدعين أنه حدث لكى و خصوصا أنه لم يحدث مع صديقتك الفرنسية و هذا فى حد ذاته دليل كذب .....
هل هناك عقلانية زائدة؟ - عبدالوهاب - كلام رائع ومنطقي لو كنت عقلانيا فقط لما كنت كتبت هذا المقال لأن العقلانية تقول بأنك لن تستطيع تغيير...
تعالوا نضحك مع وعلى جمعية الاصلاح - كلام فارغ - تافه وموضوع سخيف جمعية الاصلاح بير وصغير يعرف عنها لكن اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول ....
ما هي العلمانية ببساطة؟ - DIDOUI - الموضوع مهم و جيد ومن الجيد انكم تطرقتم لمثل هده المواضيع لمهمة والمنتشرة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - اية - الموضوع مهم وجميل ومن الجدير بنا كمجتمع ان نهتم به فهو من اكثر المواضيع المهمة والشائكة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - بغداد - ارجو من اللذين عارظوا هاذا المقال ان يلقو ولو نظره بسيطه الى ما ال اليه حال العراق وافغانستان من...
حرية الارتداد مكفولة في الإسلام - بنت الديرة - الاخ علي اولا : كافي انك كاتب بنفسك انه "لا ذكر لعقاب المرتد في القرآن الكريم .." ثانيا : جملتك...
"الحجاب" ليس فريضة إسلامية - بنت الديرة - تسلم على هالمقال وفعلا موضوع الحجاب اخذ اكثر مما يستحق في يد المفتيين و شيوخ الدين وبالأخير "لم...
شعر بنات - سيد صباح بهبهاني - لا تتحقق الحياة الزوجية السعيدة إلا بالمودة والرحمة!! الحلقة الأولى بسم الله الرحمن...
هل الإسلام هو سر تخلف المسلمين؟ - سيد صباح بهبهاني - اصحوا من هذه الغفلة يا عباد الله !!! بسم الله الرحمن الرحيم (وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهاكم...

حقوق الطبع والنشر محفوظة © تنوير 2002-2010