من أجل تأصيل جديد للفكر الديني في الإسلام

تركي الحمد

طباعة أضف تعليق جميع التعليقات

رغم أن الأديان، والأديان الإبراهيمية تحديداً، تعترف بالعبودية ولا تُحرم الرق، إلا أنك اليوم لا تجد بلداً واحداً تُمارس فيه العبودية وامتلاك الإنسان للإنسان بشكل قانوني، بل وأصبحت العبودية جريمة يُعاقب عليها القانون، حتى في تلك البلاد التي تقوم شرعيتها على الدين، مثل المملكة العربية السعودية، وذلك تمشياً مع البند الرابع من إعلان حقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948، والناص على أنه: "لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويُحضر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أو ضاعهما". إذاً الدين، والدين الإسلامي تحديداً، يُبيح الرق ولا يُحرمه، رغم أنه أوصى بالرقيق خيراً وجعل عتق رقبة من ضمن الكفارات على ذنوب كثيرة ولكنه في النهاية لم يُحرمه، ومع ذلك لا نجد أن أحداً يُمارسه اليوم، بل هو جريمة يُعاقب عليها، فهل نقول أن ذلك تحريم لما أحله الله، وبذلك فهو باطل؟ وبنفس المعنى حين عطل عمر بن الخطاب حد السرقة عام الرمادة، وحين ألغى سهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة، وحين رفض توزيع أرض السواد على المقاتلين، في تعارض كامل مع نص قرآني وممارسة النبي (ص) وخليفته أبا بكر الصديق، وحين حرم المتعة التي كانت سارية أيام الرسول (ص) وأبي بكر الصديق، وغير ذلك من قضايا يزخر بها فقه عمر بن الخطاب، فهل كان بفعله ذاك مخالفاً للشريعة، خارجاً عن الدين؟ بطبيعة الأمر لا، ولكنها الظروف المتغيرة، والمصلحة العامة التي كانت تقف وراء ذلك. فلو طبق حد السرقة عام الرمادة مثلاً، لتحول الكثير من المسلمين إلى أناس بكف واحدة، فقد كان الجوع عاماً، والجوع دافع من دوافع السرقة. ولو وزعت أرض السواد على المقاتلين، لتحول المجتمع الإسلامي مع الأيام إلى أوليغاركية مالية: قلة تملك كل شيء، وكثرة لا تملك أي شيء، ويُصبح المال دولة بين البعض، وهذا يؤدي إلى عدم استقرار المجتمع في النهاية. فالنصوص الدينية في النهاية إنما أتت لخير الناس، ولم تأتي لتكون عقبة في طريق النفع العام والمصلحة الجماعية، ومن هذا الفهم كان فقه عمر بن الخطاب، وفقهاء كثيرين أتوا من بعده، لعل من أبرزهم الشاطبي ومحمد عبده في العصر الحديث.

وبنفس المنطق والمنطلق، أي المصلحة العامة المتغيرة مع تغير الظروف، فإن هنالك مفاهيم دينية كثيرة يرى البعض أنها من الثوابت، بل ومما هو معروف من الدين بالضرورة، وبالتالي لا يمكن تعطيلها أو المساس بها، رغم أنها، وفي عصرنا الراهن بالذات، تقف حجر عثرة في طريق اندماجنا في هذا العالم، ومن ثم الإسهام في صُنع حضارة العصر، بدل الوقوف متفرجين على ما يفعله الأخرون، أو حتى محاولة البعض تدمير ما يصنعه الأخرون من حضارة وعمارة لهذه الأرض. مفاهيم مثل الردة والكفر والجهاد، تقف اليوم عائقاً يقف بيننا وبين الإندماج في العصر الحديث حين تترسخ مثل هذه المفاهيم في الذهن المسلم، من حيث أنها تخلق العداوة بيننا وبين بقية البشر، فيكونون محل رفض لدينا، ونكون بالتالي محل رفض لديهم، فلا نستفيد من حضارتهم المرفوضة، ولا نستطيع الإسهام في صنع حضارة مرفوضة ابتداءً، رغم أن مثل هذه المفاهيم متغيرة المعنى وفق تغير الظروف، ولكن البعض ثبتوها وفق فهم معين، قد يكون صالحاً لوقت بعينه، ولكنه، أي هذا الفهم، غير صالح لكل الأوقات. فلو أخذنا مفهوماً مثل مفهوم الردة، لوجدنا أن هذا المفهوم يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي ينص البند الثامن عشر منه على أنه: " لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية لإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء كان بمفرده أو مع الجماعة، وأمام ملأ أو على حده ". أن يُجمع العالم كله على مبدأ معين، مثل الحرية الفردية مثلاً، ونُصر نحن على رفض مثل هذا المبدأ، وفق تبريرات دينية معينة، سوف يخلق فجوة بيننا وبين هذا العالم، وهو قد خلقها بالفعل، وبالتالي تضيع فرصة الإندماج في عالم متحول، ومن ثم تضيع المنافع العامة التي كان من الممكن جنيها فيما لو كنا أعدنا قراءة مثل هذه المفاهيم، وإعطاءها معنى يتناسب مع الفائدة العامة للجماعة، وذلك بمثل ما فعل عمر بن الخطاب في تعامله مع الواقع المتغير، وإعادة قراءة النصوص والمفاهيم وفق هذا الواقع، لإنتاج خطاب جديد يتوافق مع مصلحة الإنسان.

وعودة إلى مفهوم الردة كمثال، فلو أعدنا قراءة هذا المفهوم وفق منطلقات جديدة وواقع جديد، لوجدنا أن هذا المفهوم قد استخدم سياسياً أكثر من استخدامه دينياً بحتاً، وذلك من باب تديين السياسة وتسييس الدين، رغم أنه لا وجود لآية واحدة في القرآن الكريم تحدد عقاباً دنيوياً للردة، ومع ذلك جعله الفقهاء لاحقاً حداً من حدود الله يجب قتل فاعله. فخلال فترة الرسول والخلفاء الراشدين، لم يُطبق هذا الحد، أو الذي جٌعل حداً على أيدي الفقهاء لظروف كانت ثم بادت، رغم وجود ظاهرة الردة تلك الأيام. قد يقول البعض: وماذا بشأن حروب الردة أيام أبي بكر الصديق؟ الكثير من المؤرخين يرون أن حروب الردة لم تكن "حروب ردة" حقيقة الأمر، وبالتالي فإن ما أطلق عليهم وصف المرتدين لم يكونوا من المرتدين فعلاً، ولذلك تجادل فيها عمر وأبي بكر، وأنب عمر بن الخطاب خالد بن الوليد لدخوله على زوجة مالك بن نويرة في ذات الليلة التي انتصر فيها خالد على "المرتدين"، إذ لو كانوا فعلاً من المرتدين، فإن أموالهم ونسائهم حلال للمسلمين، ولكن عمر لم يكن يرى ذلك،والدليل هو تأنيبه لخالد. الكثير من المؤرخين يرون أن حروب الردة كانت تمرداً لبعض القبائل على السلطة المركزية من خلال رفض دفع الزكاة للدولة، فكان على الدولة أن تقضي على مثل هذا التمرد، حفاظاً على هيبة الدولة الوليدة بعد وفاة النبي من ناحية، وحفاظاً على موارد الدولة من ناحية أخرى، وإلا فإن تلك القبائل كانت تشهد الشهادتين ويُصلي أفرادها ويصومون، ومن المعروف أن من شهد بالشهادتين فهو مسلم، وتلك القبائل كانت تشهد بالشهادتين وأكثر.

وفي ظني أن الردة في تلك الأيام كانت تعني الإنشقاق عن الجماعة مما يضعفها، ولذلك حددت لها عقوبة القتل، لا لأن ذلك تغيير للدين أو المعتقد، ولكن لأنه إنقلاب على الجماعة المنتمى إليها، فالدين في تلك الأيام كان هو الجنسية، وبالتالي فإن الردة كانت تعني مثل ما تعنيه الخيانة اليوم، خاصة أن كل الدول كانت تقوم على الدين، وعندما يتحول مسلم إلى المسيحية مثلاً، فكأنه اختار الجنسية البيزنطية وأصبح منافحاً عنها، وكذلك بالنسبة للمجوسية والدولة الساسانية، والدليل على ذلك هو حديث الرسول (ص) برواية ابن مسعود في البخاري ومسلم: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة"، فالقتل هنا مشروط بترك الجماعة، أي الخيانة العظمى، وليس بمجرد تغيير الدين أو المعتقد، خاصة وأن ذلك، أي القتل على مجرد تغيير الدين، يتعارض مع قول الحق: "لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" (البقرة، 256). وقول الرحمن: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سُرادقها وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً" (الكهف، 29). فكما يتبين من الآية السابقة، فإن حرية الكفر والإيمان مكفولة لا عقاب دنيوي لها، ولكن العقاب أخروي، وفي النهاية: "إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" (الأنعام، 117). بل أن مفهوم الردة، كما أُصل فقيهياً وفق قراءة معينة لا يمكن فصلها عن الظروف السياسية خاصة، يتعارض مع قول العليم: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس، 99).

خلاصة القول هي أن مفهوم الردة، شأنه شأن مفاهيم أخرى في الفكر الإسلامي، يمكن قراءتها بأشكال مختلفة وذلك استناداً إلى تغير الظروف ومصلحة الجماعة وإنسان الجماعة، وهذا ما يجعل من الإسلام ديناً صالحاً لكل زمان ومكان، ولكن نتاج الفكر التاريخي الإسلامي ليس بالضرورة صالح لكل زمان ومكان، وذلك كما حاولنا تبيان ذلك من خلال استعراض موجز لمفهوم الردة في هذا الفكر، حيث اختلط الديني بالسياسي والاجتماعي في ظروف معينة، فأنتج لنا مفهوماً أصبح عائقاً بيننا وبين عالم نحتاجه أكثر مما يحتاجنا، وخانق لمفهوم هو جوهر الإنسان في النهاية ألا وهو مفهوم الحرية، التي لا عقاب ولا ثواب إلا على أساسها: "كل نفس بما كسبت رهينة، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت". وفي النهاية، فإن الإيمان قناعة في النفس وليست إكراه للذات، والمجتمع الذي يُكره أفراده على أمر من الأمور، لن يناله إلا كره ما هو مفروض عليه وإن كان حقاً، ونفاق لن يعاني منه إلا من ابتلي فيه، فالحرية كالشمس: لا ضوء بدونها، ولا حياة بغيرها.

مقالات تحت نفس الباب



أكثر المقالات مشاهدة خلال 30 يوما

في سيكولوجيا الأخلاق والحضارة عند فرويد - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 477
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد القراءات 254
سلطة رجال الدين - فاخر السلطان - عدد القراءات 230
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد القراءات 224
بيان في رحيل المفكر الدكتور أحمد البغدادي - مركز "الحوار" للثقافة (تنوير) - عدد القراءات 201
مات صاحب الضمير والنفس الأبية - أحمد الصراف - عدد القراءات 185
جنون العباقرة - هاشم صالح - عدد القراءات 184
الأسس الرمزية والأسطورية للعنف الديني المعاصر - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 170
عكاز البغدادي - ابتهال عبدالعزيز الخطيب - عدد القراءات 154
البغدادي يلقي الضوء ويرحل - نذير الماجد - عدد القراءات 143


أكثر المقالات تعليقا خلال 30 يوما

رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد التعليقات 2
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد التعليقات 1



  
الإسم: المطيري
البريد الإلكتروني: لن يرضوا عنا لن يرضوا عنا مهما فعلنا لن يرضوا عنا
التعليق:
يحتاج الكاتب ان يصحح معلوماته فالاسلام لم يشرعن الرق ولكنه جاء والرق امر واقع فعمل على تصفيته بالتدريج ، وابقى فقط على الرق عن طريق اسرى الحرب المشروعة وفي هذا تفصيل كثير منه تبادل الاسرى مع العدو او طلب فدية او المن على الاسير باطلاق سراحه ، وفي كل الاحوال تؤخذ المعاملة بالحسبان اي كيف يعامل العدو اسرانا المسيحيون مثلا اجهزوا على اربعة الاف اسير مسلم زمن صلاح الدين الايوبي واليهود طحنوا بجنازير الدبابات الاسرى المصريين وهم احياء . اما الردة فهي شكل من اشكال الخيانة الوطنية والانضمام الى المعسكر المعادي خاصة اذا اشتملت على التصريح بالكفر وسب الدين القديم والاشادة بالدين الجديد ولم تقبل لا الشيوعية ولا الراسمالية الاعتناق المتبادل للافكار والاديان وكانت تعاقب على ذلك بالنفي او السجن او الاعدام او الحجز خلف الاسلاك مهما قدمنا من تنازلات للغرب فلن يرضى عنا فنحن في السبعينات اهل مجون وسرف وفي التسعينات اهل تفجير وارهاب وهلم جرا لن يرضوا عنا يا مثقفين مهما عملنا من اجل ارضاء الغرب لن يرضوا عنا لن يرضوا عنا ابدا ولو بشكل صورة كربونية رديئة منهم سنظل بشرا من المستوى العاشر بالنسبة لهم لن يرضوا عنا مهما قدمنا من تنازلات من ديننا واخلاقنا لن يرضوا عنا حتى لو غيرنااسماءنا الى جون وديفيد وصبغنا شعرنا اشقر ولبسنا عدسات خضر لن يرضوا عنا ابدا انا اعتبر هذا المقال دليل على الهزيمة النفسية امام الغرب وتقديم تنازلات تلو التنازلات ولكن هل سيرضون عنا كلا لن يرضوا عنا مهما فعلنا .

  

تعليقات القراء

عن السيرة الذاتية الغامضة لشكسبير - دانيا مبيضين - ...
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - محب الإسلام مهما كان - يوم يعض الظالم على يديه...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - slamah - عزيزتي الكاتبة ماذا تنتظرين من اشخاص مهووسين جنسيا ومجرد شعيرات في رأس المرأة تثيرهن وفي الحقيقة هم...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - لا للكذب - لا أصدق ما تدعين أنه حدث لكى و خصوصا أنه لم يحدث مع صديقتك الفرنسية و هذا فى حد ذاته دليل كذب .....
هل هناك عقلانية زائدة؟ - عبدالوهاب - كلام رائع ومنطقي لو كنت عقلانيا فقط لما كنت كتبت هذا المقال لأن العقلانية تقول بأنك لن تستطيع تغيير...
تعالوا نضحك مع وعلى جمعية الاصلاح - كلام فارغ - تافه وموضوع سخيف جمعية الاصلاح بير وصغير يعرف عنها لكن اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول ....
ما هي العلمانية ببساطة؟ - DIDOUI - الموضوع مهم و جيد ومن الجيد انكم تطرقتم لمثل هده المواضيع لمهمة والمنتشرة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - اية - الموضوع مهم وجميل ومن الجدير بنا كمجتمع ان نهتم به فهو من اكثر المواضيع المهمة والشائكة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - بغداد - ارجو من اللذين عارظوا هاذا المقال ان يلقو ولو نظره بسيطه الى ما ال اليه حال العراق وافغانستان من...
حرية الارتداد مكفولة في الإسلام - بنت الديرة - الاخ علي اولا : كافي انك كاتب بنفسك انه "لا ذكر لعقاب المرتد في القرآن الكريم .." ثانيا : جملتك...

حقوق الطبع والنشر محفوظة © تنوير 2002-2010