التأويل اللاهوتي للقرآن كما قدمه المعتزلة

نصر حامد أبوزيد

طباعة أضف تعليق جميع التعليقات

بدأت حياتي العلمية بدراسة قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة. وما سأطرحه هو تطور وعي وتطور تحليلي لأفكار المعتزلة. فكما تعلمون أننا جميعا نبدأ كباحثين، صغار في السن الحماس لموضعينا يجعلنا نتلبس بفكرهم، المعتزلة لهم تأثيرهم الساحر خاصة فيما يرتبط بالعقل وأهمية العقل. لذلك حين كتبت عن المعتزلة في البداية كنت معتزليا، ود. جابر عصفور نشر مقالة في ذلك الوقت سماها الإعتزال الجديد(1). طبعا لا أعتقد الأن أنني معتزلي. لكن أنا أحاول أن أقدم تطور رؤيتي النقدية للفكر الإعتزالي اليوم. عبد القاهر الجرجاني هو الذي صاغ نظرية المجاز وربطها بنظرية التأويل وبالتالي سنجعل المحاضرة حول عبد القاهر وإنجازه اللغوي في المحاضرة الثانية. في هذه المحاضرة عن التأويل اللاهوتي في القرآن وبعدها محاضرة عن عبد القاهر الجرجاني.
من هم المعتزلة؟ وأنا لا أريد أن أخذكم في دراسة تاريخية وتحليلة وإشتقاق الإسم. أعتقد أن كل هذه المرويات تفسر الاسم ولا تفسر الظاهرة. وأنا أريد أن أقدم لكم المعتزلة من خلال إضاءات، من خلال مجموعة من الأقوال، تكشف لكم من هؤلاء الناس.
المبدأ الأول عند المعتزلة. طبعا بعيدا عن المباديء الخمسة المشهورة جدا. العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس. ولا بد أن نتسائل، أن هذا المبدأ من أهم مباديء التنوير، ومن أهم مباديء الفلسفة، كيف تأتي للعقل العربي في القرن الثامن والقرن التاسع أن يُعلن هذا؟

السياق السسيو\ثقافي هو الذي سيكشف لنا، لماذا كان على المعتزلة الأوئل أن يؤكدوا هذه القسمة أن العقل يوجد في كل البشر؟ ربما لكي أضيئ هذه القضية: أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، أن المعتزلة والفكر الإسلامي قد بالغ أحيانا هنا في أهمية العقل، لاأقصد ببالغ هنا أنهم رفعوا العقل على النقل. لأنه حين يقول البعض أنهم بالغوا في شأن العقل لأن هذا البعض يريد أن يبالغ في شأن النقل. لا أقصد لأن مفهومهم للعقل يتجاوز مفهوم العقل كبنية ثقافية، تتطور مع البنية الثقافية. مفهوم العقل عندهم قد يكون مفهوم مطلق. وأبرز مثال لهذا المفهوم المطلق لمفهوم العقل نجده في رائعة حي بن يقظان التي كتبها إبن طفيل. ذلك أن حي بن يقظان وحده بعيدا عن اللغة وبعيدا عن الثقافة وعن المجتمع، توصل إلى أسمى أفاق المعرفة الإنسان المتوحد. أنا في دراسة كتبتها عن هذه القصة الرمزية أسميته العقل الخالص، طبعا ليس بالمعنى ” الكانطي”. العقل الخالص أي العقل المبرأ من شُبهة أنه ينتمي لسياق إجتماعي وسياق للغوي أو إلى أي سياق. العقل الإنساني هنا يستطيع أن يصل إلى أسمى درجات المعرفة قبل أن يتعرف على الشرع. واللقاء الذي نجده في حي بن يقظان بين حي بن يقظان وبين “أسال” الشخصية التي جاءت من الجزيرة الأخرى، لقاء مذهل ولا أعتقد في عصر الترقب الذي تكلم عنه الدكتور يوسف، إن هذا اللقاء يمكن أن يُكتب. هذا لقاء العقل الخالص مع الوحي المؤول. لأن “أسال” كان يُمثل تأويل الوحي، كان هاربا من جزيرة ترفض التأويل.

المقولة الثانية “قيل لأحد الحكماء، متى عقلت؟ قال أما أنا قد بكيت حين خفت، وطلبت الثدي حين إحتجت، وسكتت حين أعطيت، يقول هذه مقادير حاجاتي ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها وإذا أعطيها فلا حاجة به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل” الجاحظ. هنا تعريف للعقل يضعه في قلب الحاجة وفي قلب المجتمع. ولابد في دراسة المعتزلة أن نضع هذا التعريف “العقل أعد الأشياء قسمة بين الناس” وأن نرى أن الجاحظ لا يورد إسم الحكيم الذي يأخذ منه هذا القول. وإنما يربط العقل بالحاجة، إذا وضعنا هذا في لغة الحديث إنه يربط العقل بالسؤال. فأنه من خلال عمل السؤال ينبثق عمل العقل، يتحرك العقل لكي يبحث عن إجابة للسؤال. الطفل يبحث عن الثدي حين يجوع، هذه حاجه لكنها أيضا تعني بدرجة ما وجود بذرة عقلية عند الطفل ربما يمكن تسميتها أسماء أخرى.
يعني فيه في فكر المعتزلة وفي الفكر الإسلامي بشكل عام، هذا الجانب في الإعلاء من شأن العقل حتى يصل إلى عقل خالص مجرد من قيود الزمان والمكان والمجتمع، وربط العقل بالحاجة الإنسانية وبالتالي إحتمال الإيمان بتطور العقل. العقل كصيرورة وليس معطى نهائي.
المقولة الثالثة لإبراهيم بن يسار النظام، وأنا شاب كتبت هذه المقولة فوق مكتبي في حجرتي الصغيرة جدا، في الشقة الصغيرة جدا التي كنت أعيش فيها مع أسرتي: “العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك فإن أنت أعطيته كلك فأنت من إعطاءه لك البعض على خطر” معرفة ليس لها أفق نهائي، أنت تبذل نفسك في طلب العلم، العلم هنا عند إبراهيم بن يسار النظام ليس هو العلم كما نقرأه عند المُحدِّثين. لأن كلمة علم في التراث الإسلامي تأخذ دلالتها ممن ينطقها، إلى ما ينتمى الشخص الذي يتحدث عن العلم، إلى أي جماعة. فحين يتحدث المتحدثون عن العلم يتحدثون عن علم الحديث. وهنا كثير من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن العلم التي رواها المحدثون هي تتحدث عن العلم بمعنى نقل الأحاديث. “يحمل هذا العلم من كل قوم عدوله” مثلا. يعني علم الحديث والأحاديث. لكن العلم هنا عند المعتزلة هو المعرفة بمعناها الواسع. العلم لا يعطيك بعضا منه إلا إذا تجردت له تجردا كليا، يعني ترهبنت. واذا أعطيت نفسك كاملة للعلم فليس هذا ضمان لأن العلم يعطيك شيئا منه. لأن هناك ضمانات أخرى، ضمانات تحدث عنها المفكرون المسلمون هي ضمانات أخلاقية، ما سمى بأخلاقيات العلم ولا أريد أن أطيل في هذا.
هؤلاء هم المعتزلة أردت أن أقدمهم من خلال هذه الإضاءات. ما هو السياق الذي يمكننا من فهم المعتزلة؟ لابد في هذا السياق أن ننظر إلى البدايات والتطورات والنهايات. في البدأ كان القرآن، كان الشعر يسبق القرآن. ولهذا قال النقاد الشعر، الأصمعي: “الشعر ديوان العرب”، والشعر علم قوم لم يكن عندهم علم غيره، بمعنى أن الشعر تجمعت فيه الحكمة تجمعت فيه عناصر الثقافة العربية أو الأشكال الشعرية الأخرى مثل أقوال الكُهان مثلا. وجاء القرآن بنفس الصيغة الشعرية، القرآن ليس شعرا نعم. أنا أتحدث عن الشعرية وليس عن الشعر الأن، لغة القرآن ولغة كل النصوص المقدسة هي لغة شعرية بإمتياز. إستخدم القرآن أسلوب الشعر وحل محل الشعر. ومن هنا نرى هذا التوتر أو هذا الرفض لأن العرب حين أدركوا سواء اللذين أمنوا به أو لم يؤمنوا أدركوا هذه الطاقة، هذه القوة الشعرية، هذه القدرة على التأثير. وكل العبارات التي نسمعها إعجابا بالقرآن. حتى من قِبل من لم يؤمنوا بالدعوة المحمدية. هي عبارات تعكس هذا الإحساس بالرهبة وقوة التأثير الشعري.
أصبح القرآن في البدأ هو المعطى الأساسي، الذي تكوّن حول رسالته بعض الناس في مكة. ترابط هؤلاء البشر كونوا ما يشبه قبيلة، لكنها ليست قبيلة على نمط القبائل التي كانت قائمة، لاتربطها علاقات الدم والنسب، ولاتربطها علاقات القحطانية…..الخ. هؤلاء الناس إجتمعوا حول هذا المفهوم، يعني يمكن أن نقول أنه تكونت قبيلة جديدة لكنها لا تقوم على نفس الأسس التي كانت تقوم عليها القبائل، رحلت هذه القبيلة إلى المدينة لأن القبائل رفضتها، فتكونت بالتدريج دولة المدينة هنا التحولات من البداوة، القبلية، القبيلة التي ممكن ان نطلق عليها
community الى دولة المدينة. كنص مؤسس يتحرك مع هذه الحركة، من هنا العلماء يميزون بين القرآن المكي والقرآن المدني، يميزون بينهما لا فقط على مستوى المضمون وإنما على مستوى الأسلوب، وعلى مستوى درجة الشعرية ودرجة النثرية …الخ.
من دولة المدينة وهذه النقطة الثانية بدأ بناء الإمبراطورية، وقد بدأ بناء الإمبراطورية تجسد في نقل العاصمة من المدينة إلى دمشق، ثم بعد ذلك من دمشق الى بغداد كما نعرف جميعا. لكن هذه النقلة من دولة المدينة إلى بناء المدينة إتسمت بالحروب الأهلية. الحروب الأهلية سواء نتحدث عن موقعة الجمل أو موقعة صفين. وفي الحروب الأهلية بدأ جدل سياسي، وهذا الجل السياسي أخذ طابع تدريجيا، أخذ طابع دينيا.
مثلا علي بن أبي طالب، في موقعة صفين، يقول عن الأمويين وعن بني أُمية “قاتلناهم بالأمس على تنزيله و اليوم نقاتلهم على تأويله” بمعنى قاتلناهم بالأمس كي يؤمنوا، يقصد بالطبع بني سفيان قاتلناهم بالأمس على تنزيله واليوم نقاتلهم على تأويله. لأن القضيه هنا لم تعد حول الإيمان وإنما القضية هنى حول المعنى. أو هكذا فُهمت. وهنا في فبرة مبكرة جدا ربط علي بن أبي طالب بين التنزيل والتأويل، التأويل هو الوجه الآخر للتنزيل. في الحروب الأهلية بدأت الأسئلة، بدءا من سؤال الحاكم، من الحاكم …الخ من هذه الأسئلة، سنرى من هذه الأسئلة كيف بدأت بذور ما يسمى علم الكلام أو اللاهوت.
من عروبية الأمويين إلى أممية العباسيين هذه هي النقلة الأخرى، الدولة الأموية دولة عروبية، لذلك لم يتحل أي خليفة أموي بأي لقب ديني، ليس عندهم ألقاب دينية، دائما فلان ابن فلان، وهذه سمة عربية، طبعا في تأثيرات فارسية، حين أقول عروبية الأمويين لا أعني تلك العروبية القائمة من البداوة. إنما الدولة العباسية قامت بشكل مغايير. قامت على أساس تكاتف قوى مختلفة، على إنها قوى من يُسمون بالعلويين كانت في هذا الوقت لا نستطيع أن نتحدث عن الشيعة. العلويين خاصة بعد مأساة مقتل الحسين. تتطورت الأسئلة مع تتطور الأسئلة برز علم الكلام وتتطور. وهذا أيضا سنأتي إليه.
بعد هذا الحاجة إلى تأسيس العقل، بعد أن كثر الصخب وكثر الجدل، وطرحت إجابات مختلفة لنفس الأسئلة، ودخل النص القرآني كعامل من عوامل دعم هذه الإجابات، وأصبحا النزاع أحيانا نزاع حول معنى هذه الآية او تلك الآية. هنا تطور الأمر بالحاجة إلى تأسيس معيار يَحكم النقاش، وهو الحاجة إلى تأسيس العقل وهذا ما قام به المعتزلة.
بعد تأسيس العقل كانت الحاجة إلى التأويل، ما الذي يفصل بين هذه الإختلافات في الأفهام. كل قراءة وكل إستشهاد هي نمط من التأويل. وكل إستشهاد مغاير هو نمط من تأويل مغاير. ويحدث ذلك في الفضاء الإسلامي الأن بطريقة مزعجة. أصبح القرآن كأنه موضوعا في الجيوب تطلع الآية من الجيب ويقسم فيها وجه أعني في الحوارت العامة. وليس في الحورات الأكاديمية. الحاجة إلى تأسيس نظرية في التأويل، هذا يؤدي إلى إبتداع استراتجيات في التأويل وهنا وجد المعتزلة وتابعهم في ذلك جميع الفرق، وجد المعتزلة في الآية السابعة من سورة آل عمران وجدوا فيها مبدأ هناك مُحكم وهناك متشابه، هناك واضح وهناك غامض وبالتالي لابد من رد المتشابه إلى المحكم أو الغامض إلى الواضح وسنرى إلى أي حد إتفقوا على المبدأ واختلفوا في التطبيق.
ثم بعد ذلك إبداع أليات التأويل. وهو المجاز، كيف تطور مفهوم المجاز. لأن مفهوم المجاز كمفهوم للغوي لم يكن موجودا في الثقافة العربية، المجاز بالمعنى اللغوي هو المعبر، جاز يجوز أي عبر، المجاز هو المعبر، ويقال المجازة على الطريق الذي يصل بين طريقين. كما يقال المفازة على الصحراء بنوع من الأمل ألا يهلك فيها الإنسان. هي مهلكة لكن اللغة العربية مثل كل لغات الأرض تستخدم التضاد لأسباب كثيرة جدا كما يُقال للأعمى بصير، هذا هو الأدب اللغوي أيضا.
هنا أخذكم برحلة إلى تطور هذه المفاهيم، وتبلور هذه المفاهيم، لأنه حين ندخل في قضية التأويل دون أن نفهم هذه المقدمات. يمكن ببساطة أن نُصدر أحكام على التأويل، وأهمها طبعا أحكام الإنحراف. إنما إذا فهمنا الأساس المعرفي، قد نتفق مع الأساس المعرفي وقد نختلف. لأنه لا يمكن الحكم على أي نسق فكري بأخذ النتائج والإتفاق معها والإختلاف معها. ليس هذا هو منهج النقاش العلمي، منهج النقاش العلمي هو الإتفاق والإختلاف مع الأسس التي أفضت إلى الوصول إلى هذه النتائج في هذا البحث أو ذالك. والتكفير كأداة من أدوات الرفض هو يعتمد على ليس على مناقشة الأسس الفكرية لأي نسق فكري، وإنما فقط على النتائج التي يمكن إختصارها و إبتصارها ثم يتم إصدار الأحكام عليها.
بعد هذا نتكلم عن الأباء المؤسسين لعلم الكلام، وأنا أخذت وصف الأباء هذا من يوسف زيدان في مناقشة من يومين، أنا كنت أسميهم علماء الكلام الأوئل، لكنه وضع هذا المصطلح وأنا أعجبني هذا المصطلح “الأباء المؤسسين لعلم الكلام”. هنجد أن معظمهم تم قتلهم، ذُبحوا. مَعبد الجَهني وهو أول القائلين بالقدر كما يُقال: القدر بمعنى أن الإنسان قادر، بمعنى نفي القدر، أن الإنسان مسؤل على فعله. لأن كلمة القدر والقُدرية والقَدرية، أعود مرة أخرى إلى مسألة من يستخدم المصطلح. يستخدم المصطلح للدلالة على المعتزلة لأنهم ينفون القدر، ويستخدمه المعتزلة للدلالة على من يؤمنون بالقدر، ففي قرائتنا في النص التراثي لابد دائما أن نتسائل عن السياق الذي يستخدم فيه المصطلح، كان هناك نوع من محاولة الإستيلاء على المصطلحات فمن هنا القَدرية والقدر والقُدرة، سنجد كثير من الدلائل على أن المقصود بالقدرية هم الذين ينفون القدر، يعني ينفون أن أعمالنا الإنسانية تجري بقدر الله. وإنما هي أعمالنا الإنسانية تجري بقدرنا، بإرادتنا. قتله عبد الملك بن مروان عام ثمانين هجرية.
غَيلان الدمشقي قتله هشام بن عبد الملك، عصر عبد الملك بن مروان هو عصر بناء الدولة، عصر بناء الدولة هو دائما عصر العواصف، اذا لكي تنبني الدولة في العصر القديم يجب القضاء على كل أشكال المعارضة.
الحسن البصري لم يُقتل توفي عام 110 هجرية، وهو صاحب أول رسالة في القدر، والرسالة كان هناك تشكيك في نسبتها إلى الحسن. ولكن العلامة “فان إستس” الألماني أثبت أن هذه الرسالة صحيحة النسبة إلى الحسن البصري، أثبت بأدلة كثيرة جدا في كتاب له على درجة عالية من الأهمية لم يترجم الى اللغة العربية بعد، خمس مجلدات، عن تاريخ علم الكلام.
الجَعد بن درهم، أيضا من القدرية لكنه أول من قال بخلق القرآن، ذبحه خالد القصري عام 120 هجرية.
لماذا لم يُذبح الحسن البصري؟ وهذا سؤال على درجة عالية من الأهمية، لأن حسن البصري ذبحه كان سيكلف الدولة كثيرا. يعني معبد الجهني، غيلان الدمشقي، جعد بن درهم، لم يكن لهم هذه الكاريزمية التي كانت للحسن البصري.
جَهم بن صفوان قُتل في ثورة الحارث بن سُريج في عصر هشام بن عبد الملك عام 128 هجرية.
من مجمل الأقوال التي نجدها في كتب المقالات عن هؤلاء الأباء المؤسسين لعلم الكلام والإعتزال سنجد مقولة خلق القرآن، وهي من مقولات المعتزلة التي على أساسها بعد ذلك نعرف أن المأمون سيقيم محاكمات وما يسمى بعصر المحنة، محنة خلق القرآن. معبد الجهني قدريا، غيلان الدمشقي مرجئا. الصراع كان حول أمرين أساسيين. الأمر الأول هو علاقة الفعل الإنساني بالإنسان، وعلاقة الفعل الإنساني بالإرادة الإلهية. وهناك من ضمن هؤلاء الأباء المؤسسين الأوائل أكدوا. أن الإنسان مسؤل عن عمله. ربما جهم بن صفوان يختلف عنهم في هذا الأمر. أمنوا بقدرة الإنسان ومسؤلية الإنسان عن فعله.
القضية الثانية هي قضية طبيعة القرآن. القضية الأولى لا يمكن أن نفهمها إلا في سياق التحليل الإجتماعي الثقافي، حين تنشأ قضية ما في سياق ما ينبغي أن نبحث عن الأسباب التي جعلت هذه القضية تأخذ مركز الصدارة. القضية الخاصة بقدر الإنسان مرتبطة بممارسات النظم السياسية. كان الأمويون – هكذا تروي المراجع – ليس فقط مراجع المعتزلة وإنما جميع المراجع. كانوا يقتلون ويقولون إنما تجري أعمالنا بقدر الله. الخلفاء العباسيين لم يختلفوا كثيرا، يعني قُتل قائد من القواد وألقي برأسه من فوق القصر وقالوا له لقد قُتل صاحبكم بقضاء الله السابق. طبعا في زعم، في كل النظم السياسية في هذه العصور. يعني هنا الأمبراطورية العربية والإسلامية ليست شذوذا عن القاعدةـ في إدعاء هذا الإنتساب إلى قوة عليا. يعني أن أعمالها أتيه من إلهام إلهي. ونحن عندنا زعماء مثير جدا يُلهمون. وليس “بوش” وحده. يعني زعمائنا كلهم يُلهمون إلهامات.
يعني كان السؤال قار في بنية المجتمع سؤال مرتبط بمصالح الناس. سؤال مرتبط بما هي مسؤلية الظلم؟

 

1- جابر عصفور، مفهوم النص والإعتزال المعاصر مجلة إبداع – القاهرة عدد شهر مارس 1991 ص30. ونشرت في كتاب هوامش على دفتر التنوير

 

مقالات تحت نفس الباب



أكثر المقالات مشاهدة خلال 30 يوما

في سيكولوجيا الأخلاق والحضارة عند فرويد - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 477
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد القراءات 254
سلطة رجال الدين - فاخر السلطان - عدد القراءات 230
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد القراءات 224
بيان في رحيل المفكر الدكتور أحمد البغدادي - مركز "الحوار" للثقافة (تنوير) - عدد القراءات 201
مات صاحب الضمير والنفس الأبية - أحمد الصراف - عدد القراءات 185
جنون العباقرة - هاشم صالح - عدد القراءات 184
الأسس الرمزية والأسطورية للعنف الديني المعاصر - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 170
عكاز البغدادي - ابتهال عبدالعزيز الخطيب - عدد القراءات 155
البغدادي يلقي الضوء ويرحل - نذير الماجد - عدد القراءات 143


أكثر المقالات تعليقا خلال 30 يوما

رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد التعليقات 2
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد التعليقات 1



  
الإسم: مفكر
البريد الإلكتروني: dr_hany66@yahoo.com
التعليق:
السلام عليكم

أنتم يا يمن تدعون العقلانية ، كم سنون مضت عليكم وأنتم تعملون تلك العقول هل توصلتم إلى العقل الخالص الذي تتكلم عنه يا دكتور ؟! هل هو يوجد فى الوجود هذا العقل أم أنه مجرد سفسطه وترهات عقول فارغة من كل حق لاشعار القارىء بأنكم على علم ؟! العقل الخالص الذي تعنيه هنا لا يمكن وجوده لانه بمعناه المفهوم من سياق كلامكم أنه عقل يستوعب الحقيقة الكاملة وهذا محال على الانسان بلوغة وأنا كمسلم أذكر قول خالقى "وما أؤتيم من العلم إلا قليلا" العقل مهما بلغ من المعرفة لن يصل لما تدعية -من حيث المعنى- بالعقل الخالص .

لقد رزقنا الله بالعقل حتى نفكر ونتعقل ونميز بين الخير والشر والحق والباطل لا أن نتعدى به حدود انسانيتنا إلى ما لا يمكن أن يستوعبه هذا العقل الغير مؤهل فطريا للخروج خارج نطاق العالم الانساني وإلا لو كان لديه المقدره لأعلمنا الله عز وجل بكنه ذاته العليا لكن الله رحمة بنا وبعقولنا التى خلقها فينا لغرض معين هو حسن التعبد لله رحمنا ولم يعلمنا شىء عن ذاته أو الغيبات إلا ما يناسب تلك العقول .

ثانيا : قولك يا دكتور بأن القرآن " وجاء القرآن بنفس الصيغة الشعرية، " فهذا وإن كنت مؤمنا حقا به فهذا مخالف تماما لما جاء فى القرآن بأنه ليس بشعر ، ونفى القرآن أنه ليس بشعر يستلزم أيضا نفى كونه جاء بصيغة شعرية ، فالقرآن ليس كما ترى مجرد نص أدبي يمكن أن تصفه بالشعرية أو النثرية . فهذا لايليق ولو حتى مجازا فهذا كلام الله عز وجل الذي نفى عنه الشعرية تلك التى تدعيها أنت يا من لا تستطيع أن تأتى بآية منه .. فالشعر ممكن والنثر ممكن ولكن القرآن ليس بممكن .

ثالثا : أنتم يا دعاة التنوير ماذا يعنى عندكم التنوير ؟ أهو مخالفة شرع الله ؟ أهو تحدى فطرة الله فى خلقه ؟ وتحدى لقدرة الله ؟ أم هو مجرد غرور بشري ظنا منكم بأنكم سوف تستطيعون انارة الدنيا بدون نور الله الحق ؟

دائما توهمون الناس بأن النص الدينى لا فائدة منه ، ولم يعد يناسب عصر التكنولوجيا ، والركون إليه رجعية وجمود ؟ أهذا هو التنوير ؟ التحدى لحكمة الله ومنهجة فى الدنيا ؟ أتريدون أن تديروا الدنيا بعيدا عن حكم الله وشرعه كيف وهو خالق هذا الكون وانتم من خلقه عز وجل ؟ فتخلقوا لكم كونا آخر واحكموه بما شئتم .

النقل الصحيح والعقل الصريح لا يتعارضان البته ،وإذا حدث التعارض فهذا لنقص فى العق لا فى النص الالهي وذلك لأنه معلوم للجميع أننا ناقصون مهما بلغنا من العلم والمعرفة فكيف لناقص أن يتفوق على كامل ؟ وكيف لناقص أن يتقدم على كامل ومحكم ؟

أيمنكم أن تقولوا أن العقل الانسانى كامل ؟ وأن الانسان استطاع ان يصل للحقيقة الكاملة حتى يمكنه أن يغير هذا الكون على خلاف ما خلقه الله ؟ أنتم أنفسكم لازلتم تتعلمون وتعرفون كل يوم جديد وستموتون وأنتم ناقصون لمعارف كثيره سيعرفهااللاحقون وهكذا الحال يستمر إلى أن تقوم الساعة فكيف ببشر ناقص العلم والمعرفة أن يتحدى شرع الله وفطرته فى خلقه ويقول أن الدين رجعية وتخلف وأن العقل وحده منارة الدنيا .

الله لم يرسل إلينا رسله ليعمونا أن نعيش فى ظلام أو رجعية وتخلف ولا يمكن لأى انسان أن يقول هذا الا كافر ملحد ، فالله عز وجل بعث رسله وشرائعة للناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور لا العكس . أهذا النور الالهى الذى أنزله الله عز وجل مع رسله وعلى رسله هد نضب واختفى ؟ أم أنه قائم إلى أن تقوم الساعة ؟ فهو قائم إلى أن تقوم الساعة بإذن الله وهو نور ولا خير فى نور غيره إذا كان نور من أساسه .. فالعلم نور والتعقل نور ولكن أى نور يخالف نور الله وشرعه فليس بنور بل هو سحر للعيون يبرق ثم لم يلبس أن يخفت ويتلاشي لأنه وهم وسحر أما نور الله فهو باق .

يا دعاة التنوير فى عالم الاسلام كم سنة مضت ونحن بعدين عن دينا بسبب دعوات أمثالكم الخداعة التى برقت أمام عيون الناس فى وقت ظلمة جهلهم بدينهم فجاء نور سحركم فسحرتم أعينهم .. كم سنة مضت على هذا البعد عن نور الله الحق ؟ قرون مضت والناس لا زالوا فى تيه

بسبب أفكاركم وسحركم . لم يزاد الانسان إلا بؤسا وقهرا وحروبا ودمارا أليس هذا التنوير إحدى مستودات هذا الغرب .. الغرب الذي لا يصدر لنا إلا كل شر ويبقى له ما ينفعه فقط .. فها أنتم جريتم ورائه لاهثين وكأنم جوعى وجدتم طعاكم وشرابكم وماهو إلا سراب .

ماذا أفاد العالم بأفكار التنوير تلك ألا تفكك الأسر ، وتدنى الأخلاق ، وزيادة الظلم ، وشذوذ فكرى وجنسي وحريات زائفة بلغت أقص حدود السفاهة والتسيب والانفلات .

هذه نتائج التنوير المظلم الذي تدعونه

الإسم: مارية
البريد الإلكتروني: laila_2073@hotmail.com
التعليق:
السلام عليكم

بالاضافة الى ماذكرته عن المعتزلة اود الاشارة الى مسألة العقل فهم للاسف لم يحسنو توظيف العقل بالشكل الصحيح لانهم دخلو في متاهات وتجرأو على الله سبحانه وتعالى فدخلو في الامور الغيبة وذات الله وصفاته.حتى ان عقيدتهم اصبحت مفروضة فدلك الزمان .اما بالنسبة للقران فلا يمكن ان نصفه بالشاعرية تقديسا لهدا الكتاب العظيم فهو معجز ببيانه وفصاحته ولم يستطع احد الاتيان بمثله على مر الازمان

وشكرا

الإسم: المطيري
البريد الإلكتروني: انتوا اولا صلوا مع الناس واقيموا شعائر الاسلام
التعليق:
انتم اساسا ملاحدة منكرون للدين فلما التمحك بالمعتزلة الستم من قلتم ان القرآن ليس بوحي ولكن منتج ثقافي ؟! وعلى هذا الاساس يجب ان يعامل شأنه شأن اي انتاج بشري ؟! بعدين ان مواقفكم الصلبه من الاستبداد والفساد والاحتلال لماذا لا نرى لكم صوتا ولو تقية من هذه المسائل ، ايش حكاية تصنيم العقل هذه ؟! الواحد منكم لو ضل الطريق في مدينة لاحتاج الى دليل عقلك لن يستطيع ان يدلك على شيء ان ضعت ربما لو استخدمته لاوردك موارد الهلاك لا غناء للانسان عن الوحي بالعقل لن تصل الى نتيجة حاسمة فما يراه عقلك جيدا يراه علقي رديئا وهنا يقع الخلاف ولكن عندما تكون لدينا مرجعية عليا حكيمة نرجع اليها اذا اختلفنا فهذا افضل لماذا انتم منشغلون بالاسلام هكذا طيب صلوا مع الناس جماعة دعوهم يشهدون لكم بالخير قولوا كلمة حق امام سلطان ظالم او جائر لماذا يبدو الاستبداد المحضن الاساسي لكم ؟!!

  

تعليقات القراء

عن السيرة الذاتية الغامضة لشكسبير - دانيا مبيضين - ...
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - محب الإسلام مهما كان - يوم يعض الظالم على يديه...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - slamah - عزيزتي الكاتبة ماذا تنتظرين من اشخاص مهووسين جنسيا ومجرد شعيرات في رأس المرأة تثيرهن وفي الحقيقة هم...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - لا للكذب - لا أصدق ما تدعين أنه حدث لكى و خصوصا أنه لم يحدث مع صديقتك الفرنسية و هذا فى حد ذاته دليل كذب .....
هل هناك عقلانية زائدة؟ - عبدالوهاب - كلام رائع ومنطقي لو كنت عقلانيا فقط لما كنت كتبت هذا المقال لأن العقلانية تقول بأنك لن تستطيع تغيير...
تعالوا نضحك مع وعلى جمعية الاصلاح - كلام فارغ - تافه وموضوع سخيف جمعية الاصلاح بير وصغير يعرف عنها لكن اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول ....
ما هي العلمانية ببساطة؟ - DIDOUI - الموضوع مهم و جيد ومن الجيد انكم تطرقتم لمثل هده المواضيع لمهمة والمنتشرة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - اية - الموضوع مهم وجميل ومن الجدير بنا كمجتمع ان نهتم به فهو من اكثر المواضيع المهمة والشائكة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - بغداد - ارجو من اللذين عارظوا هاذا المقال ان يلقو ولو نظره بسيطه الى ما ال اليه حال العراق وافغانستان من...
حرية الارتداد مكفولة في الإسلام - بنت الديرة - الاخ علي اولا : كافي انك كاتب بنفسك انه "لا ذكر لعقاب المرتد في القرآن الكريم .." ثانيا : جملتك...

حقوق الطبع والنشر محفوظة © تنوير 2002-2010