|
بغض النظر عن القراءات المتناقضة للحركات الإسلامية أو الأصولية، فهذه الظاهرة (الأصولية الإسلامية) وليدة بيئتنا وثقافتنا، وتنهل من ماضينا وتراثنا، الأمر الذي يجعل مقاربتها لا يحتاج إلى الجري وراء تنظيرات المفكرين الغربيين وكتاباتهم حول الموضوع، فعلينا أن ننظر إليها بعيوننا وليس بعيون الآخرين، فمثقفونا هم أقدر من غيرهم على التعامل مع الموضوع، والتركيز على الواقع أكثر من التنظير. هناك مقولة مشهورة لفولتير: «قبل أن تتحدث معي حدد مصطلحاتك»، وهذه المقولة يجب استحضارها إذا كنا في إطار بحث اجتماعي، حيث تتعدد المفاهيم وتتداخل وتتناقض بعضها مع بعض حول القضية الواحدة. فالمصطلح في العلوم الاجتماعية حمال تفسيرات عدة، وهو لا ينجو من تأثيرات الأيديولوجيا والذاتية اللتين يضفهما الباحث على رؤيته وتفسيره للمفاهيم المستعملة. إن المصطلح الذي هو «تجريد للواقع يسمح لنا أن نعبر عن هذا الواقع من خلاله»، هو أساس لغة التعامل الإنساني ووسيلة للتعبير عن أفكار وحالات وأوضاع محددة. وتكتسي عملية التحديد الدقيق له أهمية قصوى في البحث الاجتماعي، لأنه عن طريق هذا التحديد يمكن للباحث أن يحصر المعلومات التي عليه جمعها، ويمكن للقارئ أيضا، منذ البداية، أن يعرف ماذا يقصد الباحث بهذا المفهوم أو ذاك، أو ما هي القضية محل النقاش. إن تحديد وتعريف مفهوم أو مصطلح، والإلمام بمقاصده، وخصوصا في دول العالم الثالث، حيث يتداخل ما هو اجتماعي مع ما هو سياسي، والديني مع الدنيوي، بشكل كبير، لا يستمد هذا التعريف غالبا من المفهوم ذاته، أي من كونه تجريدا للواقع، بل تغلب عليه الأيديولوجيا والتطلعات، فيصبح المصطلح من خلال ما يضفي عليه، مما ليس فيه، تعبيرا عن شيء أو أشياء لا علاقة لها بالواقع، عن شيء يجب أن يكون كما يريده العقل المتعامل والمستعمل للمصطلح، وليس عن الشيء الموجود بالفعل، الأمر الذي جعل بنية الفكر العربي الإسلامي الذي تملأه هذه المفاهيم وتشكل لحمته وسداه، عبارة عن بناء تصوري ذاتي منسلخ عن الواقع، فكر مرتبط ومحكوم ومسير بمفاهيم ومصطلحات يعتقد أنها واضحة وبينة، بينما هي في الحقيقة أبعد ما تكون عن الوضوح والموضوعية، حيث إن كل شخص أو حركة أو نظام يضفي عليها مسحة ذاتية وقيمية إيجابية أو سلبية بحسب هواه، وهو الأمر غير المقتصر على الحركة الإسلامية أو الفكر الإسلامي المعاصر، بل ينطبق أيضا على التيارات الفكرية الأخرى القومية والاشتراكية. الواقع والمفاهيم ومما يزيد التعقيد والتشويش المصاحبين استعمال المفاهيم كأدوات لتجريد الواقع، هو أن غالبية هذه المصطلحات والمفاهيم ليست نتاج الواقع الاجتماعي ذاته الذي تحاول التعبير عنه، وليست مستمدة من البنية اللغوية أو العقلية للناس المشكلين للظاهرة، بل هي مفاهيم ومصطلحات وافدة ومستمدة من القاموس اللغوي الأوروبي، ومن العلوم الاجتماعية الغربية. ولا نبالغ إن قلنا إن الحيز الأكبر من قاموسنا المفاهيمي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، هو عبارة عن مفاهيم مستجلبة ومركبة بشكل تعسفي وإقحامي على الواقع: الدولة، الديمقراطية، المعارضة، العلمانية الأحزاب، البرلمان... الخ، كلها مفاهيم تطلق على أشياء ليست بالضرورة معبرة عن المعنى الحقيقي لهذه المفاهيم كما تجسدها تعبيراتها الواقعية في دول المنشأ -الحضارة الغربية- وليس معنى هذا أننا كعالم عربي إسلامي نشكل حالة خاصة منفصلة كليا عن العالم وقيمه وحضارته وأفكاره، ولكن القصد أن هذه المفاهيم المشار إليها لا تستمد علميتها ومصداقيتها من انتظام مقولاتها وعقلانية أهدافها بشكل تجريدي، بل تستمد هذه المصداقية من ارتباطها بواقع اجتماعي محدد ومن قدرتها على التعامل مع هذا الواقع وتغييره لما فيه خدمة الإنسان. وأما سلخها عن واقع النشأة وإقحامها تعسفيا على واقع اجتماعي حضاري مغاير، فلن يؤدي بالضرورة إلى النجاح نفسه الذي حققته في دول النشأة، بمعنى آخر يجب ألا تؤخذ هذه المفاهيم كمقولات جاهزة ودغمائية، بل كنماذج تستلهم وتتكيف مع خصوصيات كل مجتمع. الأصولية وتمظهراتها لا يختلف اثنان في وطننا العربي الإسلامي على أن الظاهرة المسماة المد الأصولي أو الإسلام السياسي هي من قضايا الساعة اليوم، حيث تفرض نفسها بأشكال متفاوتة الحدة ما بين بلد وآخر، وتأخذ تعبيرات وتمارس سلوكيات، قد تختلف في تمظهراتها الخارجية، لكنها تتفق في جوهرها وفي مرجعيتها العقلية والعقائدية التي تنهل منها -أو أنها تدعي ذلك- بل لم يقتصر الأمر على أصحاب الديانة الإسلامية أنفسهم، بل دخل الغرب كطرف في الموضوع، وأفسح حيزا من اهتمامه وإعلامه لمواجهة هذه الظاهرة وتصنيفها كخطر يهدده ويهدد الحضارة الإنسانية المعاصرة!! . ومن المعلوم هنا أن استحضار المقدس لم يكن في يوم من الأيام غائبا عن الحياة الاجتماعية لدى شعوب الشرق عامة، فالشرق هو عالم الروحانيات كما يقول الغربيون، انطلاقا من كونه منبع الديانات السماوية. إلا أن الاستحضار المكثف للمقدس، وجعله مرجعية لبعضهم، للتحريم والتحليل، ولإضفاء المشروعية على الوضع القائم أو تجريده منها، أخذ اليوم شكلا أكثر حدة، وخلق حالة من الزخم الديني الجماعي، جعلت كل الأوضاع القائمة، سياسية واقتصادية واجتماعية، أنظمة وإيديولوجيات وعلاقات، يعاد النظر فيها وتخضع لعملية تقييم جديدة، ليس على أساس شرعيتها القانونية أو الشعبية، بل على أساس مدى ما يربطها بالشريعة الإسلامية وتعاليم الخالق، كما يحدد معالمهما أصحاب التيار الديني، من أنظمة ثيوقراطية وحركات سياسية دينية. فأينما يممت وجهك اليوم تصطدم بالدين: فإذا تحدثت عن السياسة والديمقراطية، عليك أن تجد صلة بينهما وبين الإسلام وتحديدا الشورى، وإذا تحدثت عن الاقتصاد والتنمية فيجب استحضار موقف الدين من هذه الأنشطة وتحديد المحرم والمحلل منها، وإذا تحدثت عن الأسرة والزواج فإنهما أكثر الموضوعات إثارة للجدل، وكأن الدين لا هم له ولا شغل له إلا المرأة وما تلبس وكيف تلبس وطبيعة علاقتها بالرجل وبالمجتمع، وعمم على ذلك مختلف أنشطة الحياة، فالمسلمون من أكثر المجتمعات احتفالية بدينهم. الخالق ومتناقض الاستحضار إن الرب يتغلغل في نسيج حياتنا ويشكل عنصرا محوريا في نمط تفكيرنا وعقلنا وشعورنا الواعي وغير الواعي، وإنه معنا في اليقظة وفي المنام، في البيت وفي العمل، في التجارة وفي السياسة، في سلوكنا الخير وفي سلوكنا، إنه، بشكل آخر، اللازمة التي تميز عقلنا العربي الإسلامي عن غيره. لكن الخالق الذي نستحضره ونوظفه ليس بالضرورة رب العالمين، الرب المطلق اللامتناهي، رب الجميع، بل هو رب نتخيله ونفصله على هوانا وبحسب مقاسنا، رب نعتقد، كأنه لم يوجد إلا لنا ولا هم له إلا نحن، رب نريد منه أن يبرر مساوئنا ويتجاوب مع ما نريد من صالح أو طالح، رب نستحضره إن كان في استحضاره ما يحقق أغراضنا، وننساه إن كان في ذلك مصلحة لنا. الظاهرة في عمقها ليست مشكلة الرب أو الدين -أو الإسلام بحد ذاته -لكنها مشكلة العقليات التي تتعامل معهما وكيفية توظيفهما في حياتنا اليومية، فطبيعة العقل الشرقي وطبيعة بنية المجتمع العربي، هما اللذان يضفيان حالة من التضخيم والتهويل والتقديس على ظواهر دنيوية وحياتية، ويخلقان حالة من الزخم الديني والهيجان لإرضاء هذه العقلية، ولإضفاء مصداقية دينية قدسية على حالة العجز عن فهم الواقع وإخضاعه والتعامل معه. فالخلل ليس في الدين ذاته ولكن في العقليات المتعاملة معه، وهي العقليات نفسها والبنية العقلية الاجتماعية نفسها التي فشلت في التعامل مع الأيديولوجيات الدنيوية -قومية، اشتراكية وليبرالية- وفي توظيفها لما فيه خدمة الإنسان العربي، إنها عقليات ونظم تعيد إنتاج نفسها وتعيد إنتاج الواقع نفسه بمفاسده وبنيته وقيمه السائدة، بل إنها تعيد إنتاجه بشكل أكثر تشويها. الفشل في إحداث تغييرات جوهرية فإذا استثنينا مظاهر التحول المادي-خلق مجتمع استهلاكي غير منتج -فإن بنى المجتمع الأخرى لم تتغير- فبالنسبة إلى الأنظمة الثورية، لم يتغير الخطاب الرسمي، وهو خطاب تبشيري فوقي يحفظ دون أن يُعقل. وبالنسبة إلى الأنظمة المحافظة، فلم توفق في توظيف علاقتها وانفتاحها على الغرب، والفكر الليبرالي في إحداث تغييرات جوهرية تمس النظم العقلية والسياسية والاقتصادية والنفسية السائدة، بل اقتصرت على أخذ قشور حضارة الغرب المادية الاستهلاكية، وبعض أساليب الممارسة الديمقراطية الشكلية، لأن غالبية هذه الأنظمة المحافظة تستمد شرعيتها من الماضي، ومن المحافظة على ما هو قائم، وليس من المستقبل وتغيير ما هو قائم، فالتغيير وتفكيك بنى المجتمع التقليدي يفقدها شرعيتها، وبالتالي يفقدها مبرر وجودها. المشكلة المطروحة هي في الواقع أكثر تعقيدا وعمقا وخطورة مما قد يوحي به السياسيون والكتاب، وحتى أكثر عمقا من إدراك وفهم أصحاب الحركات الدينية أنفسهم، ذلك أن التمظهرات الخارجية الشكلانية لا تعكس حقيقة المشكلة، لأنها مشكلة متعددة الوجوه والأبعاد، وعملية عقلنتها علميا لا تكون من خلال التعامل مع تعبيراتها الخارجية، لكن من خلال الغوص في البنى العميقة للعقل المتعامل معها، واستقصاء الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحافزة على ظهورها، كإشكالية اجتماعية دنيوية. ذلك أن الخالق دائم الوجود لا ينقطع حضوره، والإسلام -قرآن وسنة- موجود منذ حوالي ألف وأربعمئة سنة، والجماعات الدينية لم تأت بآية قرآنية جديدة ولا بحديث نبوي جديد، كما أن هذه الحركات الدينية أو المد الديني، يظهر ويختفي على شكل موجات بين فترة وأخرى، وهذا الاختفاء ثم الظهور تكمن أسبابه في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية، أي أنه يخضع لشروط دنيوية وليست دينية. دينية المظهر دنيوية المصدر الأصولية أو الإحيائية، كما يصفها البعض في (العالمين العربي والإسلامي)، مستمدة لغة ومعنى واصطلاحا من التاريخ العربي الإسلامي، فهي تأتي من «الأصل»، فأصل الشيء هو «الأساس الذي يقوم عليه ونشوءه الذي ينبت منه». والعودة إلى أصول الإسلام ومنابته الأولى ليست بالشيء الجديد في التاريخ العربي الإسلامي، الأمر الذي أتاح لظاهرة الأصولية بعدا زمنيا مكّنها من الوصول إلى مرحلة التأسيس داخل المجتمع، أي أنها أصبحت جزءا من الواقع الاجتماعي، يتعامل المجتمع معها ليس بهدف إيجاد حل نهائي لها كظاهرة اجتماعية وثقافية، بل للتكيف معها واستيعابها وتدجينها وتبيئتها بما لا يخل بانتظام النسق الاجتماعي، وبالتالي يصعب التكهن باستئصال الظاهرة على المدى القريب، في ظل البنى العقلية والاجتماعية نفسها، وفي ظل الشروط والأوضاع المعروفة، وخصوصا أن كل الأطراف تسعى إلى توظيف الدين لخدمة مصالحها الخاصة، بما في ذلك الأنظمة السياسية التي تشتكي من ظاهرة التطرف الديني. إن تكرر ظهور التطرف الديني، أو الحركات الأصولية بشكل عام عبر عصور شتى، ووجودها في غالبية المجتمعات الإسلامية، وإن تباينت صور التعبير عنها من حالات عنف متفجر أحيانا، إلى حالات تعايش مع الوضع القائم، وظهور المشكلة على شكل موجات وفي فترات، يدفع إلى القول: إن العوامل الحقيقية لظهور الظاهرة هي عوامل متأصلة في التراث، تتعلق بشروط الحياة المختلفة. فإذا سمحت الظروف السياسية والاجتماعية والأوضاع الاقتصادية بتوفير شروط حياة أفضل للمجتمع، وتوفير متطلبات التعايش السلمي بين مختلف شرائح المجتمع وطوائفه توارت المشكلة وانتفت مبرراتها. أما إذا اختل التوازن وعجزت السياسة عن خلق حالة تعايش وقبول داخلي إضافة إلى تأزم الظروف الاقتصادية، أصبح الشباب يعيش في حالة ضياع وتشتت وفقدان ثقة في كل شيء، (نحن هنا لا نسلم بالتأكيد بوحدانية العامل الاقتصادي في ظهور الأصولية)، تظهر الحركات الدينية كعامل تحريض وإثارة، وكعامل استقطاب وتميز أو كعامل رفض واحتجاج، لتدخل الميدان موظفة خطابا يزعم أصحابه أنه البرنامج البديل القادر على حل مشاكل المجتمع. وهنا لا بد من التأكيد أن التطرف الديني هو تصرف لا عقلاني، بينما الإسلام والتدين بشكل عام، في مغزاه العميق الروحي والأخلاقي بعيد كل البعد عن التطرف والإقصائية الفكرية والاحتكارية للحقيقة. ولكن يبقى القول إن التسليم بالحقيقة التاريخية التي تؤكد أن موجات التطرف هي حالة آنية، مصيرها التراجع وفقا للحالة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يمر بها المجتمع لا يعني عدم التصدي لهذه الموجات، فآثارها المدمرة للمجتمع والمشوهة للإسلام لاشك أدركناها وعانينا منها لدرجة كبيرة. أما أسلوبنا ومنهجنا للتعامل مع هذه الظاهرة، فهو الإصلاح الفكري والثقافي ومراجعة التراث القديم، وضرورة التوقف عند منحنيات مهمة في تاريخنا، وهنا لابد من إعادة دراسة تراثنا الإسلامي، واستخدام أدوات البحث العلمي المتاحة لنا في هذا العصر. الحداثة .. آليات التطبيق لا نرى مجالا لتناول موضوع الحداثة والنظريات والإشكاليات، فهذا مبحث يطول البحث فيه، وهو من الإشكاليات المستعصية في واقعنا العربي والإسلامي، لكننا نعتقد أن التطرق إلى الإشكالية بين الفكر الليبرالي والفكر الأصولي، وبحث التطبيقات الحديثة بالتأكيد يمكن أن يتم من خلال بحث مفهوم العلمانية كنظرية أولا، وكتطبيق في الغرب ثانيا، وبالتأكيد كفهم سائد لدى الكثيرين في العالم العربي والإسلامي. فالعلمانية من المفاهيم التي أقحمت في الجدل المحتدم في العالم العربي والإسلامي، حول علاقة الديني بالدنيوي، أو هي أسلوب حياة وحكم متعارض مع الشريعة الإسلامية. لاشك هنا في أن مفهوم العلمانية مفهوم غربي النشأة، إلا أن هناك قناعة لدى المختصين بأنها تعني فصل المجال السياسي العام عن المجال المقدس. وهي عنصر أساسي في تطور الحضارة الغربية. إلا أن الأصولية عرّفت العلمانية بأنها فصل الدين عن الدولة والسياسة، الأمر الذي يعني أن للخالق مجالا خاصا به، وهناك مجالات أخرى لا علاقة له بها، وهذا في نظر التيارات الدينية يتناقض مع مفهوم الخالق المطلق الذي على كل شيء قدير، فالإسلام لديهم هو دين ودنيا، (ملاحظة: حرف العطف الواو هو تأكيد على فصل بين مجالين مختلفين). وهذا ما يوحي بأن دول الغرب العلماني تخلت عن قيمة المسيحية، وهذا أمر غير صحيح، فالحضارة الغربية مازالت تسمى (حضارة غربية مسيحية)، والمؤسسات والرموز الدينية مازالت قائمة وفاعلة في شتى المجالات. إن الفهم الغربي للعلمانية، يعني أن أمور الدين ليست حكرا على جماعة تدعي أنها واسطة بين الإنسان وربه.. والعلمانية لا تنفي وجود الرب ولا تحاربه، بل تقبل التعايش معه واستحضاره كقيم ومبادئ تُسْتَلهم وتتوافق مع مستجدات الحياة. إن الجذور التاريخية للعلمانية في أوروبا، والتي تصاحبت مع حركة النهضة، لم تقم على أساس قطع الصلة مع الدين، لكنها سحبت احتكاره من قبل فئة محددة، ووسعت أفقه، ليستوعب العلم الحديث وتطورات العقل البشري، وهي مجالات معرفية كانت مغيّبة من طرف رجال الدين، وهي بذلك حررت الحاكمين من تفسيرات وتأويلات سلطة رجال الدين التي لا تطابق تفسيراتهم للنص، وأصبح رجال الدولة الذين يستمدون شرعيتهم من الشعب، وأصبحت المؤسسات الدينية جزءا من حركة المجتمع ومؤسساته. النص الديني وإشكالية الزمان والمكان وهنا يمكن القول إن تبسيط العلمانية وحصرها في علاقة ثنائية تناقضية مفترضة بين الدين والسياسة، أو الدين والدولة، لا يؤدي إلى فهم أسباب وعوامل نجاح العلمانية في الغرب، وليس لخصوصية الإسلام علاقة بمدى نجاح العلمانية في البلاد الإسلامية، فطبقة رجال الدين موجودة بالفعل كما أن الدين مُحْتَكر من قبل السلطة التي توظفه وتؤوله بالشكل الذي يخدم أغراضها، ما يزيد من شقة التباعد بين الناس العاديين وبين الفهم الحقيقي للإسلام. ومما زاد في ارتباك مفهوم الإسلام للعلمانية، هو انتشار الأمية والقصور في مناهج التدريس التي عجزت عن أن تنقل إلى الناشئة المعنى الحضاري والعميق للإسلام. وما زاد من حدة المشكلة وتفاقمها، هو الانقسام الحاد للمجتمع إلى قلة ذات تعليم حقيقي متطور، وأغلبية فقيرة وأمية ذات تعليم تقليدي يختلط عندها إسلام الأسطورة بإسلام الحقيقة. أما القول إن الإسلام يتميز عن المسيحية بكونه دينا ودنيا في الوقت نفسه، والمطالبة بالتطبيق الحرفي لنصوص القرآن والحديث النبوي، والرجوع إلى الأصول الأولى إلى عهد الرسول والخلفاء الراشدين كمرجعية، فإن الأمر يحتاج إلى توضيح، فلاشك أنه في ذلك العهد، كان الإسلام كذلك، حيث كانت النصوص الخاصة بالمعاملات وتنظيم أمور الناس قادرة على الإجابة عن كثير من قضايا ومشاكل ذلك العصر، كما أن التطابق كان قائما بين النص والواقع، ولا ننس هنا خصوصية شخصية الرسول، عليه الصلاة والسلام، وشخصية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، أما اليوم، فإن الحياة تعقدت كثيرا، والخلل كما هو واضح ليس في النص الديني، لأن النص الديني كان يخاطب مجتمعا محددا وبلغة ومفاهيم وأمثلة تعكس واقع حياته، (وكذلك الاجتهاد الفقهي)، أما الإسلام كروح ومبادئ سامية فهو يفترض التأقلم مع كل زمان ومكان. فتطبيق الإسلام اليوم لا يعني بالضرورة إخضاع الواقع لنص محدد، بل استلهام الإسلام من النصوص بما يتطابق وظروف عصره، وما يخدم الإنسان والمجتمع، وعندما نقول استلهام النص، فهذا يعني اعتماد التأويل كمنهج لفهم النص، وأيضا وضع نصوص وقوانين وضعية تستجيب لمتطلبات الحياة والعصر بما لا يتناقض مع روح الإسلام. واستلهام نجاحات المبادرات الناضجة في زمانها وفق المعطى الزماني والمكاني وإمكانياتهما والأهداف الظاهرة لتلك المبادرات. نجاحات العلمانية الغربية إن الإصرار غير المفهوم على المطالبة بتطبيق النص الديني كما جاء في القرآن والحديث على الواقع، دون الاعتبار لتغير الظروف، يعني أن النص الديني يتوفر على إجابات حول كل مشاكل ومستجدات العصر، وأن كل صغيرة وكبيرة تتوفر في النص الديني إجابة مباشرة ومحددة عنها. وهذا يعني أنه يمكننا أن نجد في النص الديني نصوصا جاهزة حول نظرية الدولة ونظرية الاقتصاد المعولم والعلاقات الدولية المعاصرة، والاستنساخ وغيرها من المجالات، ولو أصر البعض على وجود النص المباشر حول هذه الأمور، فسنسأله كيف يتصور تقبل المسلمين الأوائل لنص متقدم إلى هذه الدرجة، وهو يتحدث عن أمور غريبة عنهم وشاذة لا تتطابق وعصرهم. إذاً الشيء الأقرب إلى المنطق، وإلى حقيقة النص الديني هو القول إنه يعود إلى الناس تأويل النص الديني والتعامل معه بيسر، ووضع هذه التأويلات والتفسيرات في قوانين تجيب عن مشاكل العصر، وبما لا يجعلها تتناقض مع روح الإسلام ومبادئه الأخلاقية. وبصورة عامة، يمكن القول إن ما عزز نجاح العلمانية في الغرب، وتقبل الناس لها، من دون أن يشعروا أنهم يتخلون عن مسيحيتهم بالتعامل معها، أن المجتمع الغربي العلماني هيأ للناس شروطا حياتية دنيوية أفضل مما كانوا عليه، ساعدتهم على حل مشاكلهم اليومية، ومكنتهم من القدرة على التعامل والتعايش مع الطبيعة وظروف المجتمع، فهم مع عدم إنكارهم آخرة ما بعد الموت، وضعوا نصب أعينهم المستقبل، فعملوا لدنياهم وعملوا لآخرتهم وفق مفهومهم للمستقبل، فلم تعد الآخرة تعني نسيان وتجاهل الدنيا بحاضرها ومستقبلها، بل هي المستقبل اللامنظور واللامتناهي، وهكذا فكلما زادت قدرة الإنسان على فهم الحياة قلت حاجته إلى الهروب من الواقع إلى الخيال أو الأيديولوجيا أو الأسطورة أو الاستسلام وانتظار تدخل إرادة الله لحل مشاكله، وهذا لا يعني ضعفا في درجة الإيمان، بل على العكس، فهو يؤدي إلى زيادة الإيمان بالله ولإنارته العقل البشري، ليتمكن الإنسان من حل مشاكله والتحكم فيما يحيط به. كاتب كويتي mnhl42@hotmail.com
|