بين العريفي والسيستاني.. ومنتظري

فاخر السلطان

طباعة أضف تعليق جميع التعليقات

عجيب أمر أنصار التيار السلفي في الكويت، فهم استغلوا الظرف السياسي أثناء استجواب رئيس الوزراء الكويتي واستجواب وزير الداخلية الكويتي ىالشهر الماضي وطرحوا حججا واهية لا تستند إلى أي منطق لكي يمنعوا المفكر المصري الدكتور نصر حامد أبوزيد من دخول الكويت. لكن حينما منعت وزارة الداخلية الكويتية شيخهم السعودي محمد العريفي من دخول الكويت قامت قيامتهم وهددوا ووعدوا وأزبدوا، ومما قالوه في هذا الإطار إن العريفي لم يتهجم على الكويت لكي يمنع من دخولها، وإن "علماء السعودية لهم السبق في الوقوف مع قضايا الكويت". وجميعنا يعلم ان أبوزيد لم يتهجم على الكويت لكي يمنع من دخولها، إنما أراد إلقاء محاضرتين فكريتين. وأن هناك الكثير من رجال الدين السعوديين يعتبرون من أشد المدافعين عن الإرهاب ومن أبرز المنظّرين للعمليات الإرهابية، والتيار السلفي في الكويت يستضيفهم باستمرار. وان بعض الرموز الدينية السعودية البارزة احتجت على حرب تحرير العراق وباركت إرسال الانتحاريين إلى العراق كما احتجت على إعدام الطاغية صدام حسين، وهؤلاء مرحب بهم في الكويت من قبل التيار السلفي.

ورغم إن منع دخول الشخصيات السياسية والفكرية والدينية لإلقاء محاضرات في الكويت في ظل ثورة المعلومات لم يعد مجديا، وإن الإيمان بالحرية والتعددية أصبح أحد شروط الحياة الراهنة، وإنه على الحكومة ألا تلتفت لدعوات المنع والإقصاء هذه، إلا أننا نلاحظ رضوخ الحكومة الكويتية بسهولة لضغوط القوى السياسية والدينية، وقيامها بانتهاك الحريات، وضرب مفهوم التعددية، كل ذلك من أجل تمرير مصالحها. ونحن على ثقة بأن التوجه الحكومي هذا مبني على نهج يستند إلى السلوك الإقصائي لتلك القوى، التي صرخت بصوت عالي مطالبة بطرد أبوزيد والعريفي ورجل الدين الشيعي الإيراني محمد باقر الفالي. وحينما يأتي الدور على رموز هذه القوى فإنها تدافع عن مصالحها الضيقة لا عن الحرية والتعددية بشكلها الواسع والصريح. فالموقف الحكومي من مسألة الحريات نجده يقوم على سيناريو ما تريده القوى المعارضة. بمعنى أن الذي يطالب بمنع دخول العريفي والفالي وأبوزيد إلى الكويت هو القوى السياسية والدينية وليست الحكومة الكويتية. وما قامت به الحكومة هو مجرد تقنين لعملية المنع، من خلال الاستناد إلى مطالب تلك القوى، حيث قالت لها: "هذا ما أردتموه".

إن الحكومة الكويتية نفذت في ظرف شهر أو أكثر العديد من مطالب القوى السياسية والدينية الداعية إلى التضييق على حرية الفكر وحرية التعبير، حيث منعت دخول أبوزيد إلى الكويت بناء على ما أراده التيار السلفي بدعمٍ من التيار الإخواني وتأييدٍ من التيار الشيعي. كما حولت الناشط الكويتي محمد الجويهل إلى النيابة العامة وأغلقت قناته السور بناء على مطالب من قوى سياسية وطنية وقبلية ودينية بعد تصريحات أدلى بها في برنامج له اعتبرت مسيئة للقبائل ومهددة للوحدة الوطنية. وحولت الناشط الديني السلفي الكويتي فؤاد الرفاعي إلى النيابة العامة للتحقيق معه في أنشطة اعتبرتها قوى شيعية مسيئة للشيعة، ومنعته من نشر إعلاناته الدينية فوق مركزه الدعوي بحجة عدم وجود ترخيص لذلك رغم إنها غضت الطرف عن ذلك لسنوات. كل ذلك جرى بإيعاز من القوى السياسية والدينية التي تزعم جورا بأنها تدافع عن الحريات.

إن سياسة المنع الراهنة، المناهضة لمفهوم الحرية والمعادية لنهج التعددية السائد لسنوات عديدة في الكويت، سوف تتبعها مطالب من شأنها أن تضيّق كثيرا على الحياة السياسية والثقافية والفكرية، وقد تشجع الدعوات المطالبة بمنع الشخصيات غير الكويتية من دخول الكويت، كذلك قد تشجع إقصاء الأنشطة المحلية من أن تمارس نشاطها تحت ذرائع طائفية وقبلية. إن كل ذلك من شأنه ألا يخدم مستقبل الحريات في الكويت، لكنه قد يخدم التوجه الحكومي للتضييق على الحريات. وما صرح به النائب السلفي وليد الطبطبائي في هذا الإطار قد يكون دلالة على ذلك. فقد قال: "سأوجه سؤالا لوزير الداخلية عن مبررات منع الشيخ محمد العريفي، ومن باب أولى منع كل من تطاول على الصحابة وزوجات الرسول وكل من تطاول على علماء السنة". كما قال النائب محمد هايف إنه سيعلن عن قائمة تضم أسماء سوف يطالب بمنعها من دخول الكويت.

وعلى الرغم من أن منع العريفي من دخول الكويت جاء على خلفية تصريحاته المسيئة والإقصائية ضد المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني على خلفية المواجهة العسكرية بين الحوثيين اليمنيين والجيش السعودي، واحتجاج نواب وقوى سياسية ودينية شيعية في الكويت على تلك التصريحات، وقبلها احتجاجات في السعودية والبحرين والعراق ولبنان وغيرها. إلا أننا نجد أن إساءات العريفي، ثم هجوم الشيعة عليه، تنطلق جميعها من منطلقات طائفية بحتة لا علاقة لها بمسألة الحريات ولا تتعلق بحقوق الإنسان.

ولو عدنا بالتاريخ إلى الوراء قليلا سوف لن نجد تحركا شيعيا - على سبيل المثال - للدفاع عن المرجع الشيعي الإيراني آية الله حسين علي منتظري الذي توفى في ديسمبر الماضي، والذي تحمّل إساءات كبيرة ومضايقات لا حدود لها من قبل السلطات الإيرانية منذ أكثر من عشرين عاما بسبب نقده لسياسات الجمهورية الإسلامية الداخلية والخارجية، حيث لم يعترض أحد من الشيعة في الكويت ولا في غيرها على تلك الإساءات والمضايقات.

وجميعنا يعلم أن حزب الله الكويت نظم حفل تأبين للمسؤول العسكري في الحزب الذي قُتل في سوريا، عماد مغنية، رغم الاتهامات التي وجهت له بالتخطيط للهجوم الإرهابي على موكب أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد والهجوم الإرهابي على طائرة الجابرية في ثمانينات القرن الماضي، وما تلا ذلك من أزمة سياسية كادت تعصف بالبلاد. لكن حزب الله الكويت أصدر بيانا ندد فيه بالإساءات التي تفوه بها العريفي ضد السيستاني. إلا أننا لم نر أي تحرك أو بيان للحزب، ولا لعموم الشيعة، تجاه ما كان يحصل من إساءات لمنتظري، حيث لم يحركوا ساكنا لتأبينه بعد وفاته، وكأن الذي تعرض للمضايقات والإساءات ثم للوفاة شخص لا ينتمي للمرجعية الشيعية ولا يعرفه الشيعة، رغم إن منتظري هو أحد مؤسسي الجمهورية الإسلامية في إيران، وأحد المنظرين لنظرية ولاية الفقيه ثم تراجع عنها لاحقا، وهو أيضا أحد كبار المراجع الشيعة.

 

كاتب كويتي

ssultann@hotmail.com       

مقالات تحت نفس الباب



أكثر المقالات مشاهدة خلال 30 يوما

في سيكولوجيا الأخلاق والحضارة عند فرويد - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 476
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد القراءات 248
سلطة رجال الدين - فاخر السلطان - عدد القراءات 229
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد القراءات 218
بيان في رحيل المفكر الدكتور أحمد البغدادي - مركز "الحوار" للثقافة (تنوير) - عدد القراءات 198
مات صاحب الضمير والنفس الأبية - أحمد الصراف - عدد القراءات 182
جنون العباقرة - هاشم صالح - عدد القراءات 180
الأسس الرمزية والأسطورية للعنف الديني المعاصر - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 165
عكاز البغدادي - ابتهال عبدالعزيز الخطيب - عدد القراءات 151
البغدادي يلقي الضوء ويرحل - نذير الماجد - عدد القراءات 139


أكثر المقالات تعليقا خلال 30 يوما

رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد التعليقات 2
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد التعليقات 1



  
الإسم: ابو الحسن
البريد الإلكتروني: تكتب مالم تفهم
التعليق:
اود ان اوضح للكاتب الذي كتب بأشياء لا يفهم بها

بأن الشيخ ناصر الصباح رئيس مجلس الوزراء صرح بأنه لا يوجد دليل على ان عماد مغنيه خطط للهجوم على الشيخ جابر رحمه الله

من هنا فإن شيعة الكويت لم يدينو التأبين ولكن لو اتضح بأن عماد مغنيه هو المخطط الرئيسي لتنفيذ اغتيال المرحوم الشيخ جابر لرأيت الشيعه اول من يندد بالتأبين

ولا اعتقد بأنك تعلم وتفهم اكثر من رئيس الوزراء في مثل هذه الامور وفي امور السياسه

فنصيحه مني لك بأن لا تكتب بأشياء لا تفقه منها شي

وقد صدق الامام علي عليه السلام حين قال

يأتي زمان يتكلم فيه الجهلاء ويسمع لهم الناس

أي بما معناه بأنه يتكلم جهلة الناس ويؤيدهم من هم على شاكلتهم

  

تعليقات القراء

عن السيرة الذاتية الغامضة لشكسبير - دانيا مبيضين - ...
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - محب الإسلام مهما كان - يوم يعض الظالم على يديه...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - slamah - عزيزتي الكاتبة ماذا تنتظرين من اشخاص مهووسين جنسيا ومجرد شعيرات في رأس المرأة تثيرهن وفي الحقيقة هم...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - لا للكذب - لا أصدق ما تدعين أنه حدث لكى و خصوصا أنه لم يحدث مع صديقتك الفرنسية و هذا فى حد ذاته دليل كذب .....
هل هناك عقلانية زائدة؟ - عبدالوهاب - كلام رائع ومنطقي لو كنت عقلانيا فقط لما كنت كتبت هذا المقال لأن العقلانية تقول بأنك لن تستطيع تغيير...
تعالوا نضحك مع وعلى جمعية الاصلاح - كلام فارغ - تافه وموضوع سخيف جمعية الاصلاح بير وصغير يعرف عنها لكن اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول ....
ما هي العلمانية ببساطة؟ - DIDOUI - الموضوع مهم و جيد ومن الجيد انكم تطرقتم لمثل هده المواضيع لمهمة والمنتشرة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - اية - الموضوع مهم وجميل ومن الجدير بنا كمجتمع ان نهتم به فهو من اكثر المواضيع المهمة والشائكة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - بغداد - ارجو من اللذين عارظوا هاذا المقال ان يلقو ولو نظره بسيطه الى ما ال اليه حال العراق وافغانستان من...
حرية الارتداد مكفولة في الإسلام - بنت الديرة - الاخ علي اولا : كافي انك كاتب بنفسك انه "لا ذكر لعقاب المرتد في القرآن الكريم .." ثانيا : جملتك...

حقوق الطبع والنشر محفوظة © تنوير 2002-2010