1978 – 2009: عن الثورة الإسلاميّة

ميشال توبمان - ترجمة مختار الخلفاوي

طباعة أضف تعليق جميع التعليقات

كان ذلك منذ إحدى وثلاثين عاما، في سنة 1978. في ذلك العام، بدأ شهر محرّم – شهر الحداد الذي استشهد فيه الإمام الحسين في معركة كربلاء نحو 680 م – بدأ يوم الفاتح من ديسمبر/ كانون الأوّل. وشهد هذا اليوم تزايدا لحركة لا تقاوَم جاءت من أعماق المجتمع الإيرانيّ. هي الحركة التي ستطيح، في بضعة أسابيع، بأقدم الملكيّات في العالم منذ أسّسها قورش ( الأكبر ) قبل 2500 عاما.

يوم الحادي عشر من ديسمبر 1978 ، في يوم عاشوراء، يوم استشهاد الإمام الحسين، في اليوم الأكثر قداسة في الروزنامة الشيعيّة، اندلع تمرّد في ثكنة بلويزان Lavizan التي يقيم فيها شمال طهران نخبة الحرس الخاصّ بالشاه، وهي نخبة محمولة جوّا من الجيش الإمبراطوريّ يُعرف أفرادها بالخالدين. قُتِل في التمرّد نحو 72 ضابطا ومساعدا. والرقم 72 هو ، نفسه، عدد "الشهداء" الذين يفترض أنّهم قضوا في كربلاء إلى جانب الإمام الحسين.

لقد رأى الإيرانيّون في هذه المصادفة آية وفأل خير.

ابتداء من يوم عاشوراء ذاك، سينهار النظام الإمبراطوريّ كما ينهار قصر من ورق. بعد خمسة أسابيع، يوم 16 من جانفي / كانون الثاني 1979 يغادر الشاه وزوجته البلاد. وفي الفاتح من شهر فيفري / شباط يصل آية اللّه الخمينيّ إلى طهران، وتستقبله أمواج بشريّة بعد 14 عاما من المنفى. في الحادي عشر منه، يسلّم الجيش الإيرانيّ الذي أعلن حياده مفاتيح البلاد إلى تحالف وفاقيّ يمتدّ من اليسار الماركسيّ إلى الإسلاميّين، سرعان ما يطبق الخمينيّ سيطرته عليه.

في هذا العام، وافق يومُ عاشوراء الأحدَ 27 ديسمبر. وتراجعت عناصر الباسيج – المعادل الرمزيّ داخل النظام الإسلاميّ لحرس الخالدين بالنسبة إلى الجيش الإمبراطوريّ – من مواقع متعدّدة أمام هجمات الجماهير. بعد الآن، تماما كما حصل العام 78، سيكون الخوف أقلّ من الغضب.

صحيح، فإنّ التاريخ لا يعيد نفسه أبدا، ولكنْ لا أحد يعلم إلى أيّ حدّ يمكن أن يمضي النظام الحاليّ سواء بقمعه في الداخل أو استفزازاته العسكريّة في الخارج حتّى يحافظ على السلطة. وسيكون من الجسارة التنبّؤ بأنّه لن يصمد - حسب المثال الشاهنشاهي – أكثر من شهرين بدءا من عاشوراء. على أنّ الصور التي تلتقطها الهواتف النقّالة وتصلنا، اليومَ، تستدعي بشكل مثير، صورا مثلها اهتزّ لها الغرب منذ إحدى وثلاثين عاما.

اليوم كالأمس، نرى مظاهرات غير مسلّحة، يواجه فيها طلاّب بلباس غربيّ، ونساء محجّبات، شباب وشيوخ، أغنياء وفقراء، يواجهون، عزّلا، قوى الأمن.

اليوم كالأمس، يصعد الإيرانيّون على سقوف البيوت ليلا ليهتفوا: اللّه أكبر ! غير أنّ الهتاف القديم "الموت للشاه !" تحوّل إلى "الموت لخاميني !"

ورغم كلّ ذلك، ثمّة فرق جوهريّ بين 1978 و2009.

بالأمس، كان محرّك الثورة هو رفض الغرب والديمقراطيّة المقترنة به. وهكذا، فحينما أعلن الشاه يوم 5 أوت 1978، وقد شعر بأنّ الأحداث تتجاوزه، انتخابات حرّة للعام اللاحق، رفضتها بازدراء معارضة كان يوجّهها الخمينيّ. وفي جانفي 1979، لم تترك أيّ فرصة لشخص ليبراليّ عارض الشاه باستمرار كشهبور بختيار لكيْ يختطّ طريقا ديمقراطيّا ثالثا بين الملكيّة الاستبداديّة والديكتاتوريّة الإسلاميّة.

إنّ الحالة المعنويّة للشعب الإيرانيّ، اليوم، مختلفة شديد الاختلاف عن حالته بالأمس. فالمحرّك للتظاهرات [ الشعبيّة ] التي ولدت في 12 جوان على إثر التزوير الحاصل في نتائج الانتخابات الرئاسيّة هو الحرّية ودولة القانون والديمقراطيّة والمساواة بين الجنسيْن والتطبيع مع العالم الخارجيّ.

هذا الدافع انطلق من مجرّد رفض للتزوير الانتخابيّ ليصل إلى وضع أساس النظام نفسه - أي ولا ية الفقيه التي تكرّس تبعيّة السياسيّ للدينيّ - موضع التساؤل.

على أسطح البنايات في طهران وشيراز وإصفهان، ليلة الأحد / الاثنيْن [ 26 / 27 – 12 ] كان الإيرانيّون يهتفون: "اللّه أكبر". ولكنّه هتاف لا يحجب، أيضا، دعوة إلى استبدال "الجمهوريّة الإسلاميّة" التي أسّسها الخمينيّ بـ "جمهوريّة إيرانيّة" حقيقة بهذا الاسم.

- المقال للكاتب الصحفيّ Michel Taubmann نشره في جريدة لوموند الفرنسيّة بتاريخ 29 - 12 - 2009 . له بالاشتراك مع رامين برهام Ramin Parham " التاريخ للسرّي للثورة الإيرانيّة" ( Histoire secrète de la révolution iranienne (Denoël, 406 p

مقالات تحت نفس الباب



أكثر المقالات مشاهدة خلال 30 يوما

في سيكولوجيا الأخلاق والحضارة عند فرويد - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 476
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد القراءات 248
سلطة رجال الدين - فاخر السلطان - عدد القراءات 229
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد القراءات 218
بيان في رحيل المفكر الدكتور أحمد البغدادي - مركز "الحوار" للثقافة (تنوير) - عدد القراءات 198
مات صاحب الضمير والنفس الأبية - أحمد الصراف - عدد القراءات 182
جنون العباقرة - هاشم صالح - عدد القراءات 180
الأسس الرمزية والأسطورية للعنف الديني المعاصر - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 165
عكاز البغدادي - ابتهال عبدالعزيز الخطيب - عدد القراءات 151
البغدادي يلقي الضوء ويرحل - نذير الماجد - عدد القراءات 139


أكثر المقالات تعليقا خلال 30 يوما

رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد التعليقات 2
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد التعليقات 1



  

تعليقات القراء

عن السيرة الذاتية الغامضة لشكسبير - دانيا مبيضين - ...
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - محب الإسلام مهما كان - يوم يعض الظالم على يديه...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - slamah - عزيزتي الكاتبة ماذا تنتظرين من اشخاص مهووسين جنسيا ومجرد شعيرات في رأس المرأة تثيرهن وفي الحقيقة هم...
الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - لا للكذب - لا أصدق ما تدعين أنه حدث لكى و خصوصا أنه لم يحدث مع صديقتك الفرنسية و هذا فى حد ذاته دليل كذب .....
هل هناك عقلانية زائدة؟ - عبدالوهاب - كلام رائع ومنطقي لو كنت عقلانيا فقط لما كنت كتبت هذا المقال لأن العقلانية تقول بأنك لن تستطيع تغيير...
تعالوا نضحك مع وعلى جمعية الاصلاح - كلام فارغ - تافه وموضوع سخيف جمعية الاصلاح بير وصغير يعرف عنها لكن اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول ....
ما هي العلمانية ببساطة؟ - DIDOUI - الموضوع مهم و جيد ومن الجيد انكم تطرقتم لمثل هده المواضيع لمهمة والمنتشرة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - اية - الموضوع مهم وجميل ومن الجدير بنا كمجتمع ان نهتم به فهو من اكثر المواضيع المهمة والشائكة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - بغداد - ارجو من اللذين عارظوا هاذا المقال ان يلقو ولو نظره بسيطه الى ما ال اليه حال العراق وافغانستان من...
حرية الارتداد مكفولة في الإسلام - بنت الديرة - الاخ علي اولا : كافي انك كاتب بنفسك انه "لا ذكر لعقاب المرتد في القرآن الكريم .." ثانيا : جملتك...

حقوق الطبع والنشر محفوظة © تنوير 2002-2010