|
العلمانية مفهوم حديث في التاريخ الغربي لايتعدى عمره القرنين، برز أول مرة في فرنسا أثناء مصادرة الحكومة لأموال الكنيسة، وقد وُصفت تلك العملية بالعلمنة. معروف أن التعريف التقليدي للعلمانية هو فصل الدين عن الدولة أو عن السياسة. ويشدد مخالفو العلمانية على المزج بين الدين والسياسة، وبالذات الإسلاميون الذين يعتقدون أن الدين الإسلامي يختلف عن الأديان الأخرى التي لاتولي أهمية للسلطة والسياسة، كالمسيحية واليهودية، ويؤكدون على أن الإسلام دين سياسي، وبأن السياسة تندرج في ذات الدين، وأن المسلم لايستطيع إلا أن يكون سياسيا. فنبي الإسلام، باعتقادهم، وهو اعتقاد صحيح، كان يتمتع بشخصية سياسية متكاملة لأنه مارس السياسة بكل أبعادها، لذلك شكل أمة إسلامية سياسية دينية وبنى مجتمع المدينة - الدولة. لذلك نجدهم يشددون على لزوم الاقتداء بالنبي وإتباع طريقه الديني - السياسي، وأي دعوة لفصل الدين عن السياسة بالنسبة إليهم هي دعوة مذمومة لايجوز تنفيذها. إن العلمانية لاتعني فحسب فصل الدين عن السياسة، بل ذلك ليس سوى نتيجة من نتائجها، إنما هي تستند إلى علاقة وطيدة مع عالم الطبيعة والمادة، وتبتعد ما أمكن عن عالم ما بعد الطبيعة. هي توصي بعدم الإشارة إلى دور الدين في القضايا المتعلقة بالحياة البشرية الطبيعية، لأنها تعتبر الدين أحد عناصر ما بعد الطبيعة. بمعنى تأكيدها على إبعاد دور الدين عن الشأن العام الطبيعي، عن السياسة والاقتصاد والتعليم وغيره من المسائل. والشاهد على ذلك أن العصر الحديث شهد جهدا بشريا كبيرا في هذا الطريق، في طريق فصل مسائل الطبيعة عن مسائل ما بعد الطبيعة. إن ما يميز عصرنا، العصر الحديث، هو أن ميادين العلم والسياسة والأخلاق تحررت من أسر رجال الدين، ليس ذلك فحسب بل سار تفسير الدين على نفس المنوال، إضافة إلى استقلال هذه الميادين عن الدين أيضا. وهذه التطورات لم تكن لتتحقق من دون بروز أمرين هما: العقلانية، وحقوق الإنسان. فمفكرو الحداثة اعتمدوا على أسس غير دينية في تفسير الأخلاق، وعلى هذا الأساس أصبحت الأخلاق علمانية. وفي حين اعتبر الإنسان في الخطاب الديني خليفة الله في الأرض، استطاع في الخطاب الحداثي أن يحل محل الباري ومحل الدين في التعاطي مع الموضوعات المتعلقة بمشكلات الدنيا وقضاياها. بمعنى أن كل فرد بات يتحكم بنفسه وبمصيره ومصير مجتمعه، وأصبحت حظوظه في إدارة المجتمع الذي يعيش فيه متساوية، وباتت الثقافة المهيمنة ترفض السماح بوجود مواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية وترفض إعطاء فرد ما أو جماعة ما أو فكر ما حق نقض الرؤى والأفكار الأخرى أو حق الوصاية على الحياة. إن الفصل بين الدين وخالقه من جهة، وبين الإنسان وأمور الدنيا وقضاياها ومشكلاتها من جهة أخرى، تعلّق بالأخلاق أيضا، التي بات قانونها ينطلق من إرادة الإنسان وعلمه وليس من إرادة الدين. فأصبح عقل الإنسان والطبيعة هما المرجع في إصدار القوانين الأخلاقية، ولم تعد هناك حاجة للوحي أو النص الديني في ذلك. كما بات التزام الإنسان بالقوانين الأخلاقية ينطلق من مسؤولياته الشخصية وتوجهاته العقلانية وإرادته الطبيعية الحرة، وليس من الأوامر الدينية الصادرة إليه. بعبارة أخرى، أصبحت الأخلاق العلمانية وعلمها وقوانينها غير مستندة إلى الدين. وفي حين أن الفردية في الأخلاق لا تتمثل إلا في تهذيب النفس وإصلاح الروح وبث الفضائل في الإنسان وإبعاده عن الرذائل، التي من شأنها أن تنقذه من النار في الدنيا الآخرة لا أن تساعده في تنظيم علاقاته الاجتماعية مع الآخرين في الحياة الدنيا وفي تحقيق رؤى اجتماعية إنسانية، نجد أن الأخلاق الاجتماعية العلمانية لا تركّز في الأصل على إصلاح الروح رغم إنها ترى أن الفضائل والرذائل الأخلاقية الفردية لابد أن تخدم في النهاية العلاقات الاجتماعية والسعادة الاجتماعية ورفاه الجماعة. فالأخلاق العلمانية الاجتماعية تركّز "في ذاتها" على تحقيق علاقات أخلاقية إنسانية بين فرد وآخر، أي بين أفراد المجتمع، كما لا يقتصر الأمر بالنسبة إليها على العلاقات الاجتماعية فحسب بل يتعلق أيضا بالمؤسسات الاجتماعية، التي تتعرض للمراقبة والنقد إن هي لم تلتزم بالمعايير الأخلاقية للمجتمع. لذلك فالمؤسسات السياسية والاقتصادية والقانونية في المجتمعات العلمانية لابد أن تبقى تحت مجهر المراقبة والنقد لكي تلتزم بالمعايير الأخلاقية العلمانية. وعبر التاريخ، دائما ما كان الدين تعبيرا عن القوة وممزوجا بالسلطة السياسية، ولم يكن ذلك عجيبا، بل العجيب أن يطالب البعض في الوقت الراهن بفصل الدين عن السياسة، وبالذات في المجتمعات المسلمة، الأمر الذي يتنافى مع المسار التاريخي للشريعة الإسلامية. فالدين يعتبر أحد القوى الكبرى المؤثرة في تطور وتغير المجتمعات على مر التاريخ، لذا كان اختلاطه بالسياسة أمرا طبيعيا. وقد كان للدين المسيحي قبل ظهور الإسلام تأثير كبير على إمبراطورية الروم الشرقية بعد أن تبنى الإمبراطور قسطنطين المسيحية دينا للدولة عام 313 وجعل الحكم سلطة سياسية بإيديولوجيا دينية. كذلك كان للدين اليهودي ملوك - أنبياء مثل داوود وسليمان. فيما شكل نبي الإسلام دولة إسلامية، وأصبح الدين عاملا رئيسيا في توسيع الرقعة الجغرافية للدولة. غير أن الأمور تغيرت في العصر الحديث، وبرز فصل الدين عن السياسة، وتغيّر تأثير الدين على الحياة السياسية بل على مجمل مسائل الحياة. وهنا نثير التساؤلات التالية: لماذا ظهرت العلمانية في العصر الحديث، وبرزت مسألة فصل الدين عن السياسة؟ وكيف حصلت على تأييد واسع من قبل المجتمعات بحيث لم يعارضها أفراد تلك المجتمعات أو لم تكن هناك حاجة إلى أدلة على ضرورتها وأهميتها؟ لماذا لم تكن العلمانية حالة طبيعية في الماضي؟ ولماذا كان المزج بين الدين والسياسة من القضايا الطبيعية "البديهية"؟ إن انجازا على صعيد الفكر والثقافة البشرية قد حصل ما أدى إلى ظهور تلك النتيجة. لاشك أن البشرية حينما تنتقل من مرحلة ثقافية قديمة إلى أخرى جديدة فإن "بديهيات" المرحلة الماضية قد تصبح "غير بديهية" في المرحلة الجديدة، وستتحول قواعد وأسس المرحلة الماضية إلى استثناءات في المرحلة التاريخية الجديدة، وهذه قد تتحول إلى قواعد وأسس جديدة. ومع انتقال البشرية من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة، في هذا العصر، فإن الكثير من "البديهيات" التاريخية أصبحت استثناءات، في حين ظهرت "بديهيات" جديدة في الواقع الراهن كانت تعتبر في الماضي استثناءات. إن الدليل على أن مسائل معينة أصبحت "بديهية"، هو أنها أصبحت تعتبر طبيعية، أي ما عاد الناس يعتقدون بأنها تتنافر مع الواقع أو أنها تحتاج إلى أدلة تثبت طبيعيّتها. ومن "البديهيات" الراهنة التي ارتبطت بالدين ولم تكن "بديهية" في الماضي، عدم قبول أن يكون الدين وسيلة للاستغلال في أيدي الساسة. إن الصراع الذي نشب بين العلم والدين في العالم الغربي في القرون الوسطى كان له تأثير كبير على انتقال الإنسان من مرحلة ثقافية وفكرية معينة "قديمة" إلى أخرى "جديدة"، من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة آنذاك. فالصراع كانت له آثاره على العديد من القضايا والمسائل. فالكثير مما احتوى عليه الكتاب المقدس لم يكن يتماشى مع العلوم الجديدة، وهو ما أدى إلى انقسام الناس في تحديد توجهاتهم: إما القبول بما يقوله الإنجيل والتوراة، وإما تأييد العلوم الجديدة. وهو ما أدى مع مرور الوقت إلى حدوث زلزال عنيف في إيمان الغربيين بـ"حقيقة" الكتاب المقدس، الأمر الذي كانت نتيجته: صعوبة عودة الماضي الديني المنهدم واستحالة إصلاح "الحقائق" المنكسرة. فالحياة الفكرية الثقافية انتقلت من مرحلة قديمة إلى أخرى جديدة، تهدمت خلالها "بديهيات" دينية وفكرية معينة وتم تأسيس "بديهيات" جديدة، وتبدّل الفهم الديني والعلمي القديم إلى فهم جديد، وتمّ بناء منظومة جديدة من "الحقائق" تتماشى مع الواقع الجديد بعد أن تم تجاوز "الحقائق" القديمة واعتبارها غير صالحة لكل زمان. بعبارة أخرى، كان الصراع بين العلم والدين صراعا بين "حقيقتين" - أذكته بالدرجة الأولى أفكار كوبرنيكوس وغاليليو حول كروية الأرض ونظرية التطور عند داروين - وكل واحد منهما كان يدافع عن "حقيقته"، وقد صبت نتيجة ذلك في وعاء تطور العلم وإصلاح الفهم الديني. فالغرب أصبح يعيش راهنا في ظل دين لا يحتكر الحقيقة، وعلم لا يتسلط على الدين أو يسعى إلى إلغائه. من النتائج المهمة التي أفرزها ذلك الصراع أنّ الإنسان أصبح محورا رئيسيا في جميع قضايا الحياة الحديثة. فمع بداية عصر النهضة أصبح احترام حقوق الإنسان ميزانا جديدا يستخدم كوسيلة لقياس جميع القضايا والمسائل، من سياسية وأخلاقية وفكرية ودينية. كان لابد أن تقاس الأشياء في إطار احترام حقوق الإنسان لا في إطار "الحقيقة". وحتى "الحقيقة" نفسها لابد أن تخدم الإنسان، وألا تضرّه وتقف في طريق تطوره وتقدمه. ففي عصر ما قبل الحداثة كان الإنسان مستسلما "للحقيقة"، في حين لابد "للحقيقة" الآن أن تستسلم للإنسان. في الجانب الإسلامي لم تمض الأمور في هذا الاتجاه. فالنظرة الدينية الشمولية غير الإنسانية لا تزال هي المهيمنة. وسبب ذلك هو سيطرة التفسير المناهض للإنسان على الفكر الديني وعدم وجود رؤية واضحة لدى مدرسة التفسير الديني تجاه العالم الحديث والإنسان الجديد. فتفسير الدين لايزال غير حداثي ومناهضا لقيم الحياة الجديدة وحقوق الإنسان، بمعنى أنه يتبنى الرؤية التاريخية غير الإنسانية للحياة، التي لا تهتم سوى بتركيب الماضي الاجتماعي الديني على الحاضر. إن معظم أركان المشكلة المتمثلة في أن الدين وتفسيره أصبحا غير إنسانيين، تقع على عاتق الفقه والفقيه. فكيف يمكن لعقيدة الإنسان وآرائه وخصوصياته وحقوقه الفكرية والاجتماعية أن تكون محل احترام وتقدير واعتراف، ما لم تتغير رؤية الفقه والفقيه تجاه الإنسان كإنسان، وذلك لاستبدال الرؤية التاريخية الدونية إلى رؤية حقوقية حديثة، تكون فيها حرية الإنسان وكرامته وحقوقه هي الأصل. فعلى سبيل المثال لاتزال رؤية الفقه والفقيه إلى حرية الاعتقاد، وبالتالي إلى المرتد، قديمة، إذ هي تستند إلى الماضي الاجتماعي الإلغائي، لا الرؤية الواقعية الراهنة التي تعتمد الحرية والتعايش والتعدد والتنوع أساسا لتفسيرها. كذلك ينطبق الأمر على الرؤية الفقهية إلى المسيحي واليهودي والكافر والملحد، بل كذلك على رؤية الفقه السني أو الشيعي إلى بعض الطوائف الإسلامية، كالمتصوفة والإسماعيلية والزيدية. فهل بعد ذلك كله يحق للفقيه التاريخي أن يدعي احترام حقوق الإنسان؟ إن نظرة الفقيه إلى الإنسان لابد أن تتبدل، ما قد يساهم ذلك في تسهيل عملية التغلغل إلى واقع الإنسان الجديد، كما يسهل عملية تغيير أصول الفقه وأحكامه، لكي يصار إلى احترام الدين أو التفسير الديني لحقوق الإنسان. بغير ذلك، لا نستطيع إلا أن نزعم بأن الدين الذي فهمناه من خلال الفقهاء والمفسرين هو دين غير إنساني. إن كل أمة تريد أن تتعصرن (تصبح حديثة)، كما يكتب فيصل محيمدي في "الأوان"، لا بدّ أن تُكونِن وعيها، أي أن تعي الفرق بين تخلّفها والتقدم في العالم، دون أن تتخلى عن ماضيها النيّر. لذلك فالنفور من العلمانية، كما يضيف، يندرج ضمن نطاق الوعي المفوّت، وهو ما تتمسّك به الحركات الإسلامية (حركات الإسلام السياسي) حيث الإسلام دين ودولة، والشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، في تطبيقها تقدُّم للبشر واتّباع لمنهج النبي وأصحابه. وهكذا تدعو هذه الحركات إلى أسلمة المجتمع، ناهلة مقولاتها من تراث لا عقلاني، ككتابات ابن تيمية وابن قيّم الجوزية والغزالي، كارهة لابن رشد. إن العلمانية في ارتباطها بمطلب المساواة والديمقراطية، كما يذكر محيمدي، هي الأساس للعيش المشترك في العصر الحديث حيث تسود القيم التعددية وتتراجع القيم الواحدية، حيث يسود الاندماج لا الانعزال والتقوقع داخل أطر مغلقة وتستمر أشكال التضامن التقليدية، كالعشائرية والقبلية والطائفية وما ينتج عنها من ثأر وذكورية وإقصاء. ويضيف: "إن الإسلام السياسي بتفرّعاته المختلفة والدولة الدينية في مجملها تسقط في مزالق لا مخرج منها فهما، إلى جانب أنهما لا يجيبان على مشكلات الفقر والتخلف، ينقلان الوعي إلى تكوينات جزئية مما يكسبه قيمة سياسية. وهكذا يتطيّف المجتمع ويتفكّك الوطن حيث تتصارع الطوائف صراعا لا يدفع إلى الأمام بل يجرّ إلى الخلف". إن العلمانِية ترجمة غير دقيقة، بل غير صحيحة، لكلمة "Secularism"، والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية أو الدنيوية. هي لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص، وهو ما لا صلة له بالدين أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد. تقول دائرة المعارف البريطانية مادة "Secularism": "هي حركة اجتماعية، تهدف إلى صرف الناس، وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة، إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى، رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا، والتأمل في الله واليوم الآخر. وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـSecularism تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة". ويقول قاموس "العالم الجديد" ل"وبستر"، شرحا للمادة نفسها: 1- الروح الدنيوية، أو الاتجاهات الدنيوية، ونحو ذلك على الخصوص: نظام من المبادئ والتطبيقات "Practices" يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة. 2- الاعتقاد بأن الدين والشئون الكنسية، لا دخل لها في شئون الدولة، وخاصة التربية العامة. ويقول "معجم أكسفورد" شرحا لكلمة "Secular": دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحيا، مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة. هو الرأي الذي يقول إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسا للأخلاق والتربية. ويقول "المعجم الدولي الثالث الجديد" مادة "Secularism": "اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص، يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية، يجب ألا تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات، استبعادا مقصودا، فهي تعني مثلا السياسة اللادينية البحتة في الحكومة". "وهي نظام اجتماعي في الأخلاق، مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي، دون النظر إلى الدين". على المستوى السياسي تطالب العلمانية بحرية الاعتقاد وتحرير المعتقدات الدينية من تدخل الحكومات والأنظمة، وذلك بفصل الدولة عن أية معتقدات دينية أو غيبية، وحصر دور الدولة في الأمور المادية فقط. لقد استخدم مصطلح "Secular" (سكيولار) لأول مرة مع توقيع صلح وستفاليا - الذي أنهى أتون الحروب الدينية المندلعة في أوروبا - عام 1648، وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة (أي الدولة العلمانية)، مشيرا إلى "علمنة" ممتلكات الكنيسة، بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية، أي لسلطة الدولة المدنية. العلمانية، عموما، هي التأكيد على أن ممارسات معينة أو مؤسسات ينبغي أن توجد بمعزل عن الدين أو المعتقد الديني. وكبديل لذلك، فإن مبدأ العلمانية هو تعزيز الأفكار أو القيم إما في أماكن عامة أو خاصة. كما قد يكون مرادفا للـ"الحركة العلمانية". تذهب إيديولوجيا العلمانية إلى أن الدين ليس له مكانا في الحياة العامة. وفي أحد معانيها، قد تؤكد العلمانية على حرية الدين والتحرر من فرض الحكومة الدين على الناس، وأن تتخذ الدولة موقفا محايدا على مسائل العقيدة، وألا تعطي الدولة امتيازات أو إعانات إلى الأديان. بمعنى آخر، تشير العلمانية إلى الاعتقاد بأن الأنشطة البشرية والقرارات، لا سيما السياسية منها، ينبغي أن تستند إلى الأدلة والحقيقة بدلا من التأثير الديني. إن المسلمين يرددون باستمرار أن العلمانية هي فصل الدين عن الحياة. لكن العلمانية التي يفهمها معظم سكان العالم تعني فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية (وليس الدين عن السياسة) والفصل بين رجل الدين ورجل السياسة، والعكس صحيح أيضا، أي إبعاد المؤسسة السياسية عن التأثير في المؤسسة الدينية، وإبعاد رجل السياسة عن فرض ميوله الدينية. هذا هو التعريف الذي نصادفه في جميع المراجع الأجنبية تقريبا. إن ممارسة العلمانية تعني خلاف ما يقوله منظرو الإسلام السياسي. وسواء في أوروبا أو أمريكا فإن العلمانية لم تعن في أي وقت إقصاء الدين عن الحياة. بدليل وجود المؤسسات الدينية من كنائس ومساجد ومعابد يهودية وبوذية وهندوسية... الخ. وبدليل ممارسة أتباع هذه الأديان طقوسهم بحرية تامة، وفي ظل حماية الدولة. بل إنه في بلد مثل أمريكا يجري على الدوام التذكير وإحياء المناسبات الدينية لمعظم الأديان. ويشجع المسئولون الرسميون، سواء على المستوى الفيدرالي أو المحلي، الناس على التمسك بعاداتهم وتقاليدهم ذات المنشأ الديني. كما يقوم المسئولون بزيارة دور العبادة، والاجتماع مع ممثليها، في لفتات رمزية على الترحيب والاحترام. وفي المناسبات الوطنية الكبيرة يدعى ممثلو الأديان الرئيسية إلى الحضور وإلقاء كلمات. وحتى في بلد يوصف بالتشدد في تطبيقه للعلمانية مثل فرنسا، لا يوجد أي إقصاء للدين عن الحياة أو شئون الحياة. فهناك يمارس الناس من مختلف الأديان، بمن فيهم المسلمون، عباداتهم وشؤون دينهم بحرية، وهم منظمون على المستوى المحلي، ولهم جمعياتهم ومؤسساتهم الدينية. وفي جميع هذه البلدان لا يسمح بفرض أي دين أو معتقدات دينية على الآخرين، كما يحظر على الدولة والحكومة أن تحابي دينا معينا حتى ولو كان معتنقوه يشكلون الأغلبية في هذا البلد، أو تميز ضد دين آخر حتى وإن كان عدد أتباعه لا يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة. كما يلاحظ أيضا أن التديّن لا يقل أو يضعف حينما يجري تطبيق العلمانية. كما أنه لم يثبت أن زاد التديّن في البلدان التي لا تطبق العلمانية. أما المتضررون من العلمانية فهم ليسوا عامة الناس، وإنما هم رجال الدين والمؤسسة الدينية. هؤلاء اعتادوا على مر التاريخ أن تكون لهم سلطة وامتيازات في مواجهة العامة، يستمدونها من موقعهم الديني. لكن في ظل العلمانية يعود رجل الدين إلى دوره وحجمه الطبيعي، وهو التخصص في شؤون العقيدة، وتكون ساحته هي المؤسسة الدينية. ويكون الإنسان، أو المواطن، حرّا في أن يذهب إلى هذه المؤسسة أو لا يذهب، يأخذ برأي رجل الدين أو لا يأخذ. وليس للدولة أن تعاقبه أو تحد من حريته لهذا السبب، كما أنه ليس لها أن تكافئه على هذا السلوك. فالدولة محايدة تجاه شؤون العقيدة والاعتقاد. إذن العلمانية في حقيقتها ليست موجهة ضد الدين، وهي ليست دينا آخر، لكنها وسيلة لتنظيم العلاقة بين السياسي والديني. وقد أصبح وجودها ضرورة بعد نشوء الدولة الحديثة، التي تتكون من جمهور المواطنين، بديلا عن جماعة المؤمنين، كما في الدولة القديمة. ولأن الأساس في المواطنة هو انتماء المواطن إلى الدولة والخضوع لقوانينها، في مقابل حمايتها له، على عكس الدولة القديمة (ما قبل الحديثة) التي كانت تقوم على الانتماء الديني، فإن فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، يهدف في الأساس إلى حماية فكرة المواطنة وترسيخها. أي حماية أحد أبرز أسس الدولة الحديثة. ولما كان الأمر كذلك، فإن العلمانية تصبح شرطا لا بد منه للانتقال من دولة الأديان إلى دولة الأوطان، ومن دولة المتدينين إلى دولة المواطنين. في الكويت، حينما يتردد مرشحو الانتخابات المحلية - مجلس الأمة أو المجلس البلدي أو الجمعيات التعاونية - على الديوانيات للحصول على دعم روادها، فإن العبارة المحددة التي يودّع فيها أهل الديوانية المرشح هي: "عسى الله يوفقك في الانتخابات"، بمعنى أنه يتم إقحام عبارة دينية للتعاطي مع موضوع غير ديني، عبارة تنتمي إلى عالم ما بعد الطبيعة (العالم غير العلماني) لبحث مسألة طبيعية مادية وبشرية (مسألة علمانية). وبجملة أخرى، يتم التعاطي مع الشأن الطبيعي استنادا إلى الإطار ما بعد الطبيعي. وفي حين أن اللغة المستخدمة غير علمانية، فإن العلمانية تفصل الشأن الطبيعي عن الشأن ما بعد الطبيعي، وتستخدم لغة طبيعة تجاه القضايا الطبيعية المادية البشرية، وتدفع إلى التعاطي مع مسائل ما بعد الطبيعة بلغة تصب في الاتجاه ما بعد الطبيعي. فاللغة دليل على علمانية أو عدم علمانية الفرد. وهناك فرق في أن يودّع إنسانا صديقه بجملة "نراك غدا" العلماني بدلا من جملة "في أمان الله" الديني غير العلماني، إذ اللغة تشهد على أن صاحبها يؤمن بالعلمانية أو لا يؤمن بها. إن عالم ما بعد الطبيعة، الذي ينتمي إليه الدين الإسلامي، والأديان بمجملها، يتدخل بشكل واسع في حياة المسلم ويساهم في تشكيل صورة الحياة ويبث الروح فيها وفي أسبابها وعللها. والإنسان، الذي هو مجموعة من الأفكار والأسباب، عادة ما يتبع الأسباب. وفيما لو كانت تلك الأسباب دينية فسيصبح إنسانا دينيا، وإذا ما كانت غير دينية فسيصبح علمانيا. هذا الأمر ينطبق كذلك على أفراد المجتمع في أن يوصفوا بالدينيين أو بالعلمانيين. على هذا الأساس يوصف إنسان العصر الحديث بالعلماني، لأنه استبدل أسباب الحياة الدينية بأسباب أخرى غير دينية، أي بأسباب علمانية. على سبيل المثال، من أسباب نظافة الإنسان المسلم إتباعه الحديث النبوي الذي يقول "النظافة من الإيمان". فبسبب ارتباط النظافة بالإيمان لابد أن يكون المسلم نظيفا. في حين أن العلماني لا يبحث عن أسباب النظافة في الحديث النبوي أو في النص الديني، إنما يبحث عن ذلك عن طريق العقل الطبيعي الذي يدلّه إلى هذه النتيجة حتى لو لم يتوفر في الدين ما يحث على ذلك. إن مختلف صور الحياة ومختلف مؤسسات المجتمع، الرسمية وغير الرسمية، من سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وخدمية وغيرها، الموجودة في المجتمعات الدينية موجودة أيضا في المجتمعات العلمانية. إذن ما الفرق بين الاثنين؟ بمعنى أنه ما الذي يجب أن يميّز المجتمع الديني عن المجتمع غير الديني؟ إن ما يجب أن يميز أحدهما عن الآخر لابد أن يتعلق بالأسباب أو بالعلل. فالاثنان، العلماني والديني، يتوصلان إلى نتائج متشابهة بشأن معظم قضايا الحياة ومسائلها، لكن الأول ينفذ أفكاره وأهدافه انطلاقا مما يمليه عليه العقل البشري من أسباب دون النظر إلى رضا الرب أو عدم رضاه، في حين أن الثاني ينطلق في تنفيذ أهدافه وأفكاره استنادا إلى دواعي رضا الرب لا غير. لكن هناك فرقا كبيرا بين الاثنين من جهة "المشروع"، بين المشروع الديني والمشروع العلماني، إذ الأول يعتقد، غصبا وزورا ومن دون أي دليل عقلي أو نصّي، أن الدين يملك مشروعا متكاملا للحياة، بمعنى أن الدين الإسلامي بالنسبة لأنصاره هو "دين ودنيا". في حين يعتقد الثاني عكس الأول: إنه يستند إلى العقل لا إلى النص الديني في رسم صورة الحياة البشرية المادية الطبيعية العقلية وفي تطوير مختلف جوانبها. وفي الانتخابات البرلمانية في الكويت عادة ما تتجه جماعات الإسلام السياسي في الدعاية لمرشحيها انطلاقا من عبارة "التكليف الشرعي"، بالمقابل تمتنع عن التصويت للمرشحين غير الدينيين، وبالذات للعلمانيين والليبراليين، كذلك قد تصدر فتاوى بتحريم التصويت لهؤلاء لما فيه من "إثم ومعصية" و"نشر للفسق والفجور" و"تعدّ على شرع الله". وبتوضيح أدق: تدخل تلك الجماعات ساحة الانتخاب والاقتراع من بوابة "المشروع" الديني وأدبياته ومن خلال الأسباب والعلل الدينية المتصلة برضا الله. في المقابل نجد الجماعات غير الدينية، العلمانية والليبرالية، تستند في ذلك إلى العقل والمصلحة والواقع، إلى الأسباب العقلية الطبيعية غير الدينية لا إلى المشروع الديني المستند إلى النص الدينية والمصالح السياسية الدينية. إن المجتمع الديني والمجتمع العلماني لايختلفان في ظاهر عملهما، إنما في الأسباب والعلل. والأديان، ومنها الدين الإسلامي من خلال نصوصه، لم تهتم بظاهر عمل الإنسان إنما كانت "تبشّره" و"تنذره". فلا نجد في القرآن، مثلا، أن الله بعث الأنبياء لكي ينظّروا للناس في الشأن السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو العلمي أو غيره من الشؤون، بل كان الأنبياء "مبشرين ومنذرين"، سعوا للتأثير في أفكار الناس لتغيير أسباب وعلل سلوكهم، كذلك التأثير في نواياهم وتصحيحها والسير فيها في الاتجاه الذي كانوا يعتقدون، في الاتجاه الذي يصب في سبيل الله، لا تعليمهم السياسة والاقتصاد والعلوم وغيرها. إن تدبير أمور الحياة المادية الطبيعية وطرح قضاياه ومعالجة مشكلاتها هي من مسؤولية العلماء لا الأنبياء. فالحروب التي خاضها النبي محمد ضد الكفار والمشركين كانت بشرية في الشكل والظاهر، وهي أمور خطط لها العقلاء لا الوحي، وكانت تختلف في الأسباب والعلل والنوايا. فالمسلمون حاربوا أعدائهم من أجل رضا الله ورسوله، فيما كانت علل ونوايا الكفار والمشركين تصب في اتجاه آخر. إن ذلك ينطبق على كافة النزاعات بين البشر. وإذا ما نظرنا إلى نزاع العراقيين ضد صدام حسين سنجد أن الأسباب التي طرحها الإسلاميون في هذا الشأن تختلف عن تلك التي طرحها الليبراليون، أو حتى القوميين، إلا أن الهدف الرئيسي من النزاع كان واحدا وهو تغيير نظام طاغية العراق. إن النبي محمد لم ُيبعث لكي يطرح في رسالته نظرية خاصة تتعلق بالحرب. غير أنه من الممكن أن تكون للنبي رؤيته الخاصة في هذا الشأن، لكنها لم تكن دينية، أي لم يطرحها أو ينظّر لها انطلاقا من الشأن الديني، إنما انطلاقا من بشرية الموضوع واعتمادا على رؤى العقلاء. لذلك نجد أن أدوات الحرب في زمن النبي محمد ظلت هي نفسها لعقود طويلة ولم تتطور أو تتغير حيث باتت السيوف والخناجر والدروع أدوات الحرب لمئات السنين. فنبي الإسلام أطلق على الحرب مسمى "الجهاد في سبيل الله"، أي غيّر أسبابها وعللها ووجهتها، التي كانت تختلف عن أسباب وعلل ووجهة الكفار والمشركين. بمعنى أنه حوّل وجهة القتال من "في سبيل الأصنام" إلى "في سبيل الله"، لكن شكل وظاهر الحرب ووسائلها فإنها كانت تتبع الشأن العقلي لذلك الزمان ولم يكن هناك اختلاف في ذلك بين المسلمين والكفار. على هذا الأساس، إذا كانت أسباب أي عمل، أو التفكير في أي عمل، هو من أجل رضا الله، فإن ذلك العمل يوصف بالديني، أما إذا ما كانت الأسباب تسير في غير طريق رضا الله إنما لخدمة البشر والإنسان، فسوف يوصف العمل بالعلماني. فهناك من يقبل على الزواج بدواعي رضا الله، وهناك من يُقبل على ذلك لأسباب شخصية أو اجتماعية أو إنسانية لا ترتبط بالله أو بالشأن الديني، غير أن الشكل والهدف في الاثنين هو واحد. وإذا ما نظرنا إلى الأسباب في العمل، أيّ عمل، سنجد أنها دينية بالنسبة للإنسان الديني، لكن شكل وظاهر عمله منفصل عن الدين، بسبب أنه لايمكن أن نستخرج من الدين نظريات سياسية أو اقتصادية أو صناعية أو طبية أو رياضية أوغيرها. إن الأنبياء، ومنهم النبي محمد، لم ينظّروا للشأن السياسي، كما لم يعرّفوا أنفسهم لأنصارهم وللناس بأنهم ممن يطرح نظريات سياسية أو غيرها من النظريات، بل يعتبر انشغاله في الشأن السياسي من عرضيات الدين، لذلك كان موضع استغراب العديد من الناس في ذلك الزمان، الذين كانوا يقارنون مشروعه بمشاريع بالأنبياء من قبله، خاصة النبي موسى والنبي عيسى، ممن لم يمارسوا السياسة. إذن، إذا اعتقد البعض أن الدين لا ينفصل عن السياسة، وبأنه يؤسس لنظريات متعددة، منها السياسية، فلن يكون هناك مزج للدين بالسياسة، لأن الدين غير قادر على إنتاج نظريات سياسية. أما إذا اعتقد البعض الآخر أن ممارسة السياسة مسببة لرضا الله (من دون طرح نظرية سياسية دينية في هذا الشأن) وأن هذه الممارسة شبيهة بممارسة العلماني للشأن السياسي، فإن الدين والسياسة سيتطابقان. لذلك، إذا تساءلنا: هل يمكن للهندسة أن تصبح دينية، فإن الجواب من جهة هو: إن الدين منفصل عن الهندسة، لأن الدين غير قادر على إنتاج نظريات متعلقة بعلم الهندسة. لكن هناك جوابا آخر: إننا نمارس الهندسة قربة إلى الله وللوصول إلى رضا الله. إذن، العلمانية قادرة على التعايش مع التفسير الديني الذي يعتقد بعدم قدرة الدين على إنتاج نظريات حياتية من سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية وغيرها، لأن إنتاج هذه النظريات هي مسؤولية العلماء لا الأديان أو الأنبياء، الذين لم يشيروا إلى ذلك لا من قريب ولا من بعيد. في المقابل، لاتستطيع العلمانية التعايش مع التفسير الديني الذي يدّعي بأن الأديان قادرة على تأسيس تلك النظريات. وتبدو التجارب الإسلامية الحديثة، التي تدّعي بأنها قادرة على تأسيس نظريات دينية للحياة، لم تستطع أن تؤسس نظرية واحدة قابلة للتعايش مع العصر الحديث. والتجربة الإيرانية في هذا الإطار واضحة، فهي لم تستطع تحقيق نجاح ولو في الشأن السياسي، حيث تعتبر ولاية الفقيه نظرية تاريخية ماضوية لا تربطها علاقة تصالحية مع أسس الحياة الحديثة ومفاهيمها، في حين أن باقي الشأن الإيراني العام في مشروع "الجمهورية الإسلامية" لا يمت إلى الدين بصلة. المراجع - موقع ويكيبيديا. - عمران سلمان، العلمانية.. هي الحل. موقع "الناقد". - فيصل محيمدي، العلمانية في الوطن العربي: الضرورة والعوائق. موقع"الأوان".
|